السلام المستحيل: هل يُسقَط معنى السلام على تسويةٍ مع المشروع الصهيوني؟

02/25/2026 - 09:27 AM

Jonathan Amireh

 

 

 

رشيد ج. مينا

يعرف كثيرون — وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي — “السلام” كمفهومٍ متعدد الأوجه:

غياب الصراع والعنف، الصلح، الأمان، الاستقرار، وحتى التحية والودّ. في السياق الديني هو من أسماء الله الحسنى، وفي الإنساني يعني أحيانًا إنجاز العدالة الاجتماعية وحماية الإنسان من العُلل والنقص. لكن كيف يمكن إسقاط هذه المعاني النبيلة على ما يُروّج اليوم بـ«السلام مع إسرائيل»؟

الكيان الصهيوني لم يُولَد كقيمةٍ أخلاقية أو نتاجٍ لحركة تحرر، بل نشأ وتتطوّر في سياقٍ استعماري واضح:

قوى خارجية صنعت وجوده، ودعمت قيامه، واستفادت عبر التاريخ من استغلال موارد المنطقة وتعيين أنظمةٍ لحماية مصالحها. لذا، أيّ “سلام” يُطلب من الشعب العربي مع كيانٍ بُني على هذا السياق، لا يمكن أن يُفهم إلاّ كعملية تمويهٍ لماضيٍ وظلمٍ مستمر.

كيف يُعقل أن يُقاسَم الضحّيّةُ جلادَها في مشهدٍ يُراد له أن يبدو حضاريًا؟ كيف يتحوّل التاريخ والدماء والحق إلى صفحةٍ تُطهّرها مداولاتٌ دبلوماسية تبتعد عن العدالة؟ ما يُروج له اليوم من مبادراتٍ تحت مسمياتٍ براقة، ومن بينها ما عُرف بـ«السلام الإبراهيمي»، لا يقدّم حلّاً جذريًا، بل يمهّد لتطبيعٍ سياسي واقتصادي يكرّس وقائع الاحتلال إن لم تسبقه شروط عدالةٍ حقيقية.

الوقائع على الأرض واضحة:

احتلالٌ ممتدٌّ لأكثر من سبعةٍ وسبعين عامًا، توسّعٌ متواصل، استيطانٌ وتجريدٌ وإبعادٌ، وقتلٌ وتشريدٌ للشعب الفلسطيني. هذا الواقع لم يتبدّل بجذره؛ ما تغيّر هو أدوات السيطرة، من القوة العسكرية الصريحة إلى أدواتٍ اقتصادية وسياسية وإعلامية وتقنية تُثبّت الوقائع وتُشَوّش الحقائق.

إذن، القبول بـ«سلام» من دون استعادةٍ للحقوق ــ إنهاء الاحتلال، وقف الاستيطان، الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، حق العودة أو تعويضٍ عادل، ومساءلة مرتكبي الجرائم وفق القانون الدولي ــ هو تثبيتٌ للظلم لا حلاً له. والسلام المبيَّع بشعاراتٍ براقة يصبح استسلامًا مقنّعًا لا ذِكر فيه للكرامة.

ما الذي يُغيّر المعادلة؟ القوة المادية وحدها ليست كافية، لكنّ امتلاك عناصر القوة الحقيقية ــ القرار الوطني والسيادة، التحكم بالمقدّرات، اقتصادٌ قوي، تقدمٌ علمي وتقني، ومؤسسات ديمقراطية فعّالة ــ يمنح للموقف العربي قيمةً ووزنًا. حين تترسّخ هذه العناصر، يصبح للحقوق صوتٌ، وللمطالب أثر، ولا يمكن لصفقاتٍ مشبوهة أن تكرّس حقًّا مغتصبًا.

الطريق إلى سلامٍ حقيقي يبدأ داخليًا:

بسلام الإنسان مع ذاته، وبسلام المجتمع مع مؤسساته. يبدأ بتحرير العقل من الخوف والعجز، بتطهير النُظم الرسمية من العملاء والفساد، بتعزيز الحريات والممارسات الديمقراطية، وبنهضةٍ علميةٍ واقتصاديةٍ تُعيد للأمة دورَها الفاعل. السلام الذي نريده ليس تبادل مصالحٍ ومجاملاتٍ، بل سلامٌ يُبنى على عدالةٍ وشروطٍ تُعيد الحقّ لأصحابه وتمنع تكرار الظلم.

لا ينبغي أن نغفل أن قوى الهيمنة العالمية ترى في “السلام” أداة لإعادة صياغة المنطقة وضمان السيطرة على ثرواتها، بينما يُراد للعرب أن يكونوا الحلقة الأضعف في معادلةٍ غير متكافئة. لهذا، فإن الوعي بما يُراد هو أول خطوة في المواجهة.

ليس السلام كلمة تُقال، بل مسار تُرسِّخه العدالة، ويصونه الوعي، وتدافع عنه الإرادة الحرة. سلامٌ لا يعيد الحق هو هدنة للظلم، وسلامٌ لا يحمي الإنسان هو غطاءٌ للهيمنة.

إن طريق العرب إلى السلام لا يمر عبر بوابات التطبيع، بل عبر بوابات الصمود، والمقاومة المجتمعية، والنهضة والتحرر واستعادة القرار والسيادة. حين يزول الخوف، وتُستعاد الثقة بالذات، وتُبنى القوة على العلم والوحدة، عندها فقط ستشرق شمس فلسطين من جديد... ويغيب ليل إسرائيل — طال الزمان أم قصر.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment