أسبانيا "استثناء أوروبي" في تسوية أوضاع آلاف المهاجرين!

02/23/2026 - 16:11 PM

Metrolink.com

 

 

 

 رسالة مدريد - ألفة السلامي

منذ وطأت قدماي ساحة ثيبيليس (Plaza de Cibeles) حيث يقع الفندق الذي أقيم فيه بمواجهة قصر ثيبيليس حيث مبنى بلدية مدريد، وأنا أشعر أن مواطني الدول الإفريقية واللاتينية والآسيوية يشكلون أغلبية في هذه الساحة. يفرشون قطعة قماش على الأرض ويعرضون بضاعتهم الصينية بينما عيونهم شاخصة تتوقع قدوم الشرطة في أي لحظة؛ حينئذ يجمعون بضاعتهم ويهرعون في اتجاه شارع ألكالا أو إلى ممشى البرادو ويختفون في لمح البصر. ولا يشغل بال وأحاديث هؤلاء الشباب المهاجرين حاليا سوى الخطة التي أقرتها الحكومة الأسبانية في بداية العام الجاري لتسوية أوضاع المهاجرين، وهي الأكبر من نوعها منذ 20 عاما لإدماج مئات الآلاف في سوق العمل والمجتمع. وكل مهاجر من هؤلاء ينتظر دوره مع أحلام الرخاء والرفاهية.  

قرار الحكومة الإسبانية في 27 يناير 2026 جاء بناء على مرسوم ملكي "تاريخي" يفتح باب التسوية الاستثنائية لآلاف المهاجرين ويسير عكس التيار العام السائد في أوروبا حاليا، ويستهدف تسوية أوضاع حوالي 500 ألف مهاجر غير نظامي يعيشون بالفعل في البلاد، مع ضرورة إثبات الإقامة المستمرة لمدة 5 أشهر على الأقل قبل تاريخ 31 ديسمبر 2025، وخلو السجل الجنائي من السوابق. وتم البدء في استقبال الطلبات على أن تظل العملية مفتوحة حتى 30 يونيو 2026. وهذا القرار الذي ينظر إليه البعض في الداخل على أنه استجابة لضرورة اقتصادية وديموغرافية وهي توسيع القوى العاملة لمواجهة شيخوخة السكان وضمان استدامة نظام الضمان الاجتماعي. ويراه البعض الآخر أداة للاستقرار الاجتماعي متمثلة في تحويل المهاجرين من "اقتصاد الظل" إلى مساهمين قانونيين يدفعون الضرائب، مما يقلل من تهميشهم واستغلالهم. وهو أيضا في المنظورين "استثناء لافت" داخل الاتحاد الأوروبي في وقت تتجه معظم دول الاتحاد مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا نحو تشديد قوانين الهجرة والترحيل!

20% من سكان أسبانيا مهاجرون!

يوضح شاب مصري يعمل محامي تعرفت عليه في شوارع مدريد المليئة بالشباب العربي أن المستفيدين سيحصلون على تصريح إقامة وعمل لمدة عام واحد قابلة للتجديد، مع منح الأطفال القاصرين إقامات لمدة 5 سنوات. ويمثل المهاجرون –الذين ولدوا في الخارج-20.3% من إجمالي سكان إسبانيا البالغ عددهم 49.6 مليون نسمة. ويوضح الشاب المحامي من أصيلي محافظة بني سويف المصرية أن هناك حوالي 800 ألف مهاجر غير نظامي في إسبانيا حتى عام 2025، وأن المؤهلين للتسوية من بين هؤلاء، هم نصف مليون شخص فقط ويستفيدون مباشرة من قانون التسوية الجديد. والجنسيات الأكثر طلبا للتسوية هي كولومبيا وفنزويلا والمغرب. وتساهم العمالة الوافدة بنسبة 44% من صافي نمو التوظيف في أسبانيا خلال 2025. والأمر الإيجابي أن معدلات البطالة انخفضت إلى أقل من 10% بعد سياسات الإدماج الجديدة. وفي بعض الأقاليم مثل كتالونيا، يمثل المهاجرون حوالي 37% من الفئة العمرية الشابة بين 30 و34 عاماً، مما يبرز دورهم الحيوي في القوة العاملة. وهكذا فإن الهجرة هي المحرك الأساسي لنمو السكان وتجديد دماء المجتمع الإسباني الذي يعاني من الشيخوخة.

مدريد قبلة القادمين من الأمريكيتين

من السهل على الزائر لمدريد أن يلاحظ الأعداد الكبيرة للمقيمين القادمين من القارة الأمريكية، سواء من الولايات المتحدة أو دول أمريكا الجنوبية والوسطى. وتعرفت على شابين من كولومبيا تبادلنا أطراف الحديث وأكدا لي أن هناك حاليا حوالي 4.7 مليون شخص ولدوا في أمريكا اللاتينية يقيمون في أسبانيا بعد هجرتهم من بلدانهم بدافع من الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، ويتصدر الكولومبيون القائمة كأكبر جالية، يليهم الفنزويليون والبيروفيون والإكوادوريون. وقد تأكدت من هذه الأرقام بعد مراجعتها من مواقع أسبانية رسمية. ويشرح محدثي سبب إقبال الجنسيات اللاتينية على أسبانيا دون غيرها، حيث تتطلب سنتين فقط من الإقامة القانونية لبعض الجنسيات اللاتينية الناطقة باللغة الأسبانية. وهناك أكثر من مليون مهاجر يتركزون بشكل أساسي في العاصمة مدريد، تليها كتالونيا/برشلونة، ثم فالنسيا. أما مواطنو الولايات المتحدة الأمريكية فلاحظت وجودهم في كافة شوارع مدريد ومطاعمها، وبداية من الفندق الذي أقمت فيه في قلب العاصمة. وقد سجلت أعدادهم نمواً لافتاً في السنوات الأخيرة، حيث تُعتبر إسبانيا حالياً الوجهة الأوروبية الأولى لهم.

وفقا للإحصائيات، بلغ عدد المقيمين الأمريكيين المسجلين رسمياً في إسبانيا 50,623 شخصاً مع بداية عام 2024، بزيادة قدرها 26% خلال عامين فقط. ويمكن تلخيص دوافع الهجرة من خلال لقاءاتي بعدد من الأمريكيين في الهروب من الاستقطاب السياسي وتكلفة المعيشة والرعاية الصحية المرتفعة في أمريكا، مقابل جودة الحياة والاستقرار في إسبانيا. ويلاحظ أن مشتريات الأمريكيين للعقارات في إسبانيا زادت بنسبة 57% عام 2025.

تسهيلات لجذب المزيد من الأمريكيين

قد ساهم تحديث إجراءات التأشيرة لتسهيل الإقامة الطويلة لهم في تشجيع المزيد على القدوم إلى أسبانيا مع تفضيلهم مدن معينة كخيار أول. وتمنح تأشيرة الرحالة الرقمي إقامة لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد لـ 5 سنوات، للذين يعملون عن بُعد لشركات خارج إسبانيا، مع إثبات دخل شهري لا يقل عن 2400 يورو للفرد، وتقديم سجل جنائي (Apostilled) وشهادات خبرة أو مؤهلات علمية. وقد تم تبسيط التقديم ليصبح إلكترونياً بالكامل عبر منصة الحكومة، مما يقلل الحاجة لزيارة القنصليات. أما تأشيرة الإقامة غير الربحية فتمنح للمتقاعدين أو من لديهم مدخرات ولا يخططون للعمل في إسبانيا، مع إثبات وجود 28,800 يورو سنوياً في الحساب البنكي وإضافة حوالي 7,200 يورو لكل فرد من العائلة. وأوضح مقيم أمريكي في حديثي معه أن خيارات الأمريكيين تتجه للإقامة في مناطق تتميز بجودة الحياة، وتكلفة المعيشة، والمجتمعات الناطقة بالإنجليزية. وفي مقدمة المقاصد المفضلة تأتي فالنسيا كأفضل مدينة لجمعها بين الشواطئ المتوسطية، وانخفاض تكلفة المعيشة مقارنة بمدريد، والبنية التحتية المتطورة لركوب الدراجات. وتأتي بعد ذلك مالقة (Málaga) التي تجذب العاملين في قطاع التكنولوجيا -وتُلقب بسيليكون فالي أوروبا والمتقاعدين-بفضل طقسها المشمس طوال العام. وتظل برشلونة الخيار الثقافي والفني الأول، لكنها تعاني من ارتفاع تكاليف السكن التي تماثل أسعار مدريد. ولمن يبحث عن الطابع الإسباني الأصيل وتكلفة معيشة أقل، مع جاذبية سياحية وتاريخية هائلة فإنه يتجه إلى إشبيلية. أما مدريد فتظل الوجهة المفضلة لرجال الأعمال والباحثين عن حياة حضرية صاخبة، وهي "أغنى مدينة" وتضم أكبر الجاليات الأمريكية. وسألت محدثي الأمريكي عن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية في مدينة أسبانية فأجاب أنها تترواح بين ألفي يورو و3.500 يورو وقد تصل إلى 5000 يورو لأسرة مكونة من 4 أفراد، خاصة إذا كان بينهم أطفال في المدارس.

وأشبيلية هي الأرخص حاليا تليها مالقة أغلى قليلا، ثم فالنسيا ثم برشلونة وأخيرا مدريد هي الأغلى. وينصح محدثي المنتقلين الجدد باختيار فالنسيا لأنها الوجهة الأكثر جذباً حاليا للأسر الأمريكية في حيث توفر "قوة شرائية" أفضل بنسبة 15-20% مقارنة بمدريد، مع الحفاظ على مستوى خدمات صحية وتعليمية ممتازة. ويشير إلى حي بينيماكليت (Benimaclet) كأفضل اختيارات للسكن حيث يتميز بروح المجتمع والقرية الصغيرة داخل المدينة، وهو خيار اقتصادي وجيد للعائلات الشابة. أما من يفضلون السكن في بيوت مستقلة مع حدائق خاصة، فيتوفر في ضواحي لاكانادا وايليانا هذا الجو المميز مع مدارس دولية ومحطات مترو تربطها بالمركز. هذا عن فالنسيا، أما في مدريد وللباحثين عن الرفاهية فحي سالامانكا أو أرافاسا وهما الخيار الأمثل حسب محدثي.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment