مرحلة الحقيقة والمحاسبة بعد تصريحات رياض سلامة

11/29/2025 - 17:57 PM

Bt adv

 

كتب كريم جداد

 

أعاد الظهور الإعلامي الأول لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بعد استقالته فتح ملف الانهيار المالي من جديد، بعدما قدّم رواية واسعة عن “مؤامرة” بدأت ـ بحسب قوله ـ منذ عام 2015، وهدفت إلى ضرب القطاع المصرفي اللبناني وتحويله إلى كبش فداء للأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها البلد.

المقابلة التي بثّتها قناة “العربية” شكّلت محطة أساسية، ليس لما قاله سلامة فحسب، بل لما أعادت تسليط الضوء عليه من أسئلة جوهرية تتعلق بحجم المسؤوليات، وآليات اتخاذ القرار المالي، والمسارات السياسية والاقتصادية التي قادت لبنان إلى الانهيار.

سلامة حمّل الحكومة، وخصوصاً حكومة الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر، مسؤولية القرار المفصلي بالتخلف عن سداد اليوروبوندز وما تبعه من تداعيات، كما أشار إلى تأثيرات الحرب السورية التي قدّر كلفتها على لبنان بين 25 و30 مليار دولار.

في المقابل، نفى أن يكون استخدم أموال المودعين لإقراض الدولة، ورفض سردية إفلاس المصارف، مؤكداً أنه منع ذلك حفاظاً على الودائع.

لكنّ أخطر ما تضمّنته المقابلة لم يقتصر على اتهاماته السياسية، بل في ما كشفه من خلل هيكلي عميق في إدارة النظام المالي، ومن تداخل المسؤوليات بين مجلس المصرف المركزي، ولجنة الرقابة على المصارف، والسلطة التنفيذية، والأحزاب السياسية التي اتُّهم بعضها باستغلال أموال المودعين في الحملات الانتخابية.

هذه المعطيات، بما فيها رواية سلامة عن “الاستهداف” والتوظيف السياسي، تضع البلد أمام لحظة حاسمة تتطلّب الانتقال من تبادل الاتهامات إلى كشف الحقيقة كاملة. فالأزمة لم تكن ظرفية ولا تقنية، بل نتاج منظومة مالية وسياسية متشابكة، تراكمت أخطاؤها وقراراتها منذ ما قبل 2015.

ما المطلوب اليوم؟

أولاً: توسيع نطاق التدقيق الجنائي ليشمل حسابات مصرف لبنان والمصارف التجارية من عام 2015 حتى اليوم، باعتباره الطريق الوحيد لكشف مسار الأموال، وتحديد المسؤوليات بعيداً عن السرديات السياسية.

ثانياً: إطلاق مسار قضائي موحّد وشفاف ينهي حالة الاستنسابية، ويُخضع كلّ من تولّى موقعاً مالياً أو رقابياً أو حكومياً للمساءلة، وفق تسلسل قرارات واضح لا يسمح بطمس الحقائق أو تضييعها بين المؤسسات.

ثالثاً: استعادة حقوق المودعين باعتبارها أولوية وطنية، فالودائع لم تتبخّر، بل جرى سلبها عبر سياسات وهندسات وتوظيفات معلومة المسار. إعادة هذه الحقوق ليست خيارًا سياسيًا بل شرطًا لأي خطة تعافٍ جدّية.

رابعاً: إعادة فتح النقاش حول السياسات المالية في العقود الماضية، بما فيها إدارة الدين، والهندسات المالية، وكل القرارات التي سمحت بانكشاف النظام المصرفي على الدولة من دون ضوابط.

خامساً: صياغة رؤية إصلاحية شاملة لا تكتفي بتبادل الاتهامات، بل تعالج جوهر المشكلة: الحوكمة، الرقابة، استقلالية المؤسسات، ودور الدولة في ضبط الإنفاق والالتزام بالقوانين.

تصريحات رياض سلامة، بكل ما حملته من اتهامات وتبريرات، لا تعفي أحداً من المسؤولية، لكنها تشكّل نافذة جديدة لتثبيت حقيقة أنّ ما جرى لم يكن ارتباكًا تقنيًا، بل انهيارًا ممنهجًا تراكم عبر سنوات بفعل قرارات خاطئة وتدخلات سياسية عميقة.

المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة كشف وقائع ومحاسبة جدّية، لأن لبنان لن ينهض ما لم تُعاد الحقوق لأصحابها، وما لم تُبنَ ثقة اللبنانيين على أساس الحقيقة.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل سيُقدم القضاء اللبناني على اتخاذ المبادرة وفتح ملف كامل وشجاع يكشف الحقيقة من دون حسابات سياسية، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم؟

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment