‏أحمد عبدالفتاح خيري، يكتب: الابتزاز.. الجرح الذي لا يظهر في المرآة ‏

11/28/2025 - 12:54 PM

Atlantic home care

 

 

 
‏هناك قصص تمرّ أمامنا كأنها عابرة، لكنها تكشف واقعًا أعمق من تفاصيلها.
‏قصص تبدأ بهدوء، ثم تنتهي بسؤال إنساني شديد القسوة: كيف يُدفع الإنسان المقهور، تحت ضغط الابتزاز، إلى مواقف لم يكن ليقترب منها لولا أن أحدهم استغل حاجته أو خوفه؟
‏فالإنسان لا يتخلى عن كرامته بإرادته، ولا يفرّط في احترامه لذاته دون سبب. لكن الابتزاز—بأشكاله العاطفية والمعنوية والاجتماعية والمهنية—يضع الإنسان في مواقف قهرية، يستغل فيها خوفه أو حاجته أو ظرفه، ويحيطه بدائرة ضغط يصعب الخروج منها. المشكلة ليست في قوته، بل في قسوة من يمارس عليه الابتزاز، وهنا يظهر أثره الصامت بوضوح.
‏إحدى القصص التي لفتت الأنظار إلى هذا النوع من الأذى كانت قصة الإعلامية الراحلة "هبة الزياد"؛ فرغم ابتسامتها أمام الكاميرا، كشفت قبل رحيلها عن تعرضها لضغوط نفسية وابتزاز عبر مواقع التواصل—رسائل وتهديدات واقتحام للخصوصية—وهي ضغوط لا تظهر للناس، لكنها تُرهق الروح وتستنزف الإنسان من الداخل.
‏وتشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الضغط المتكرر يؤثر مباشرة في الجهاز العصبي وتقدير الذات، ويدفع الإنسان—خاصة حين يكون في موقف ضعيف أو تحت تهديد—إلى قبول ضغوط ما كان ليقبلها في الظروف الطبيعية. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه مغلوب على أمره.
‏ما هو الابتزاز؟ ولماذا ينتشر بهذا الشكل؟
‏الابتزاز ليس مجرد تهديد مباشر، بل هو: استغلال حاجة الإنسان، أو خوفه، أو مشاعره، لدفعه لتقديم تنازلات لا يرغب فيها، ويتسلل بأشكال مختلفة: ابتزاز عاطفي، ابتزاز اجتماعي، ابتزاز معنوي، ابتزاز مهني، والقاسم المشترك بينها: تراكم ضغوط تجعل الإنسان يتصرف عكس قيمه الحقيقية.
‏وتشير دراسات في علم النفس السلوكي إلى أن الأشخاص الذين ينشأون في بيئات يغيب عنها التقدير أو يكثر فيها النقد يصبحون أكثر عرضة للوقوع ضحية للابتزاز، ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم اعتادوا البحث عن القبول بأي صورة.
‏أشكال الابتزاز
 
▪️ الابتزاز العاطفي.. حين يتحول الحب إلى مساحة تهديد
‏قد تبدأ العلاقات بمحبة واهتمام، ثم تتحول إلى ضغط مستمر: "اثبتلي إنك بتحبني"، "قدّم أكتر.. تنازل أكتر.. اتحمّل أكتر".
‏وتؤكد أبحاث العلاقات الحديثة أن الشخص الذي يتعرض لضغط عاطفي متكرر يدخل حالة تسمّى العطاء القهري، فيقدّم تنازلات للهروب من الفقد، وليس لإنقاذ العلاقة.
▪️ الابتزاز المعنوي.. عندما تتحول المشاعر إلى ضغط صامت
‏في بعض العلاقات، لا يأتي التهديد بالكلمات الصريحة أو بالمطالب المباشرة، لكنه يظهر في التحكم بالمشاعر، استغلال الشعور بالذنب، أو الضغط على الحاجات النفسية الدقيقة. الضحية هنا مغلوبة على أمرها؛ ليست ضعيفة أو مخطئة، لكنها تحت ضغط من يمتلك سلطة أو تأثيرًا عليها، والجروح التي يتركها الابتزاز المعنوي صامتة، لكنها عميقة، تؤثر في الثقة بالنفس وفي شعور الإنسان بقيمته.
▪️ الابتزاز الاجتماعي.. حين تصنع السوشيال نسخة ليست أنت
‏في عصر الصورة، أصبح بعض الناس يقيسون قيمتهم بعدد الإعجابات؛ فتظهر تصرفات مبالغ فيها، وصور متكلّفة، وهوية رقمية لا تشبه حقيقتهم. وتشير الدراسات النفسية الحديثة إلى أن الانشغال المفرط بالحصول على القبول الرقمي—مثل الإعجابات والتفاعل—يرتبط بانخفاض ملحوظ في تقدير الذات، خصوصًا لدى المراهقين والشباب الذين تتشكل هويتهم عبر نظرة الآخرين لهم أكثر من نظرتهم لأنفسهم.
▪️ الابتزاز المهني.. حين يُستغل الإنسان في بيئة العمل
‏الابتزاز المهني يحدث عندما يُضغط على الموظف أو الزميل ليقوم بأمور تتجاوز حقوقه أو قيمه، تحت تهديد فقدان المنصب، الفرصة، أو التقدير.
‏هذا النوع من الابتزاز لا يترك أثرًا جسديًا، لكنه يهدم احترام الإنسان لذاته تدريجيًا ويخلق شعورًا مستمرًا بالعجز والضغط النفسي.
‏علم النفس التنظيمي يوضح أن أكثر ما يضعف الشخص في هذه الحالة ليس مجرد صعوبة المهمة أو الفشل، بل التنازل عن حقه وهو يعلم أنه يستحقه. عندما يُجبر الموظف على السكوت أو القبول بما لا يرضيه خوفًا من العواقب، يبدأ شعوره بالقيمة الذاتية بالتراجع، وتختل ثقته بقدراته ومكانته المهنية.
‏استشاريون الموارد البشرية يرون أن هذا أخطر أنواع الابتزاز، لأنه يتنكر أحيانًا في شكل "قوانين عمل" أو مطالب رسمية تبدو عادية، لكنها تمارس ضغطًا نفسيًا مستمرًا على الضحية.
‏لماذا يعدّ الابتزاز خطيرًا؟
‏لأنه لا يبدأ بصوت عالٍ، بل بصمت. ولا يحدث فجأة، بل يتراكم. ولا يجرح الجسد، بل يستنزف الروح.
‏والنتيجة: إنسان يقف أمام المرآة ولا يعرف أين ضاعت ملامحه الحقيقية وسط كل هذا الاستنزاف.
‏آثار الابتزاز على الإنسان
‏الابتزاز ليس مجرد موقف، إنه نزيف طويل الأمد، يترك آثارًا عميقة على كل جانب من حياة الشخص:
▪️ الأثر النفسي
‏قلق، خوف، تبلّد، إحساس دائم بعدم الأمان.
‏يقول علماء النفس إن دماغ الضحية يعيش حالة "تهديد" مستمرة، حتى لو سكت المبتز مؤقتًا.
▪️ الأثر العاطفي
‏فقدان الثقة بالآخرين أو بالذات، والشعور الدائم بأن الشخص "مكشوف" أمام من يستغله.
▪️ الأثر الاجتماعي
‏انعزال، انسحاب، أو اختفاء من التواصل الاجتماعي، والخوف من السؤال البسيط: “مالك؟”
▪️ الأثر الأخلاقي
‏الابتزاز يترك بصمة تشبه الندبة لا تُرى، لكنها تغيّر طريقة نظر الإنسان لنفسه وقيمته الداخلية.
‏كيف نتجنبه ونحمي أنفسنا؟
▪️ معرفة الحدود، كل علاقة بلا حدود تصبح ساحة للضغط.
▪️ عدم الخوف من كلمة (لا)، لأنها ليست عداءً، بل حماية. إن أول خطوة للخروج من دائرة الابتزاز هي استعادة حق الرفض.
▪️ عدم الاحتفاظ بأسرار قوية مع أشخاص غير موثوقين. السر في غير مكانه يتحول إلى سلاح.
▪️ توثيق التهديدات فور حدوثها، (رسائل، مكالمات، محادثات)؛ فالتوثيق هنا حماية قانونية ونفسية.
▪️ طلب دعم صادق، (صديق، مختص، قريب)؛ فحين يسمع الإنسان "أنا معاك"، يستعيد نصف قوته.
▪️ كسر دائرة الخوف، المبتز يعيش على خوف الضحية؛ فعندما يتوقف الخوف يسقط سلاحه.
▪️ ترميم الذات بدلًا من جلدها، قبل أن تلوم نفسك على ما مررت به، ضمّد قلبك أولًا. أنت ضحية لا شريكًا في الخطأ.
‏في الختام، الابتزاز بجميع أشكاله يترك أثرًا صامتًا في القلوب قبل العقول، لكنه لا يقدر على قلب يعرف قيمته؛ فكما ذكرت في كتابي "فن ترميم القلوب": (ما يُكسر بالخوف، يمكن أن يعود بقوة الوعي). هذه الحقيقة تذكرنا أن الألم ليس نهاية الطريق، وأن الاعتراف بالجرح ليس ضعفًا، بل بداية لترميم الذات. كل مرة نحمي فيها حدودنا، وكل مرة نرفض أن نُستغل، نعيد لأنفسنا جزءًا من احترامنا المفقود.
‏الكرامة ليست رفاهية، وعندما نعيد بناء قلوبنا، نكتسب القدرة على العيش بحرية، وثقة، وسلام داخلي يعزز من ثباتنا أمام أي ابتزاز أو ضغط مهما كان.
‏......
‏نبذة مهنية للكاتب
‏أحمد عبدالفتاح خيري: كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية والتنمية الذاتية. يقدّم محتوى تحليليًا وإنسانيًا يركّز على فهم العلاقات والتواصل، وما يمر به الأفراد من تحديات يومية. نُشرت له مقالات في عدد من المنصّات العربية، وهو مؤلّف كتاب «فن ترميم القلوب». كما يقدم محتوى فيديو بعنوان «صوت من القلب»، يتضمّن رسائل قصيرة تُلامس التجربة الإنسانية بأسلوب بسيط وصادق.
http://www.facebook.com/ahmedfatah.officialpage

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment