روجيه ابو فاضل
في ذلك المخيم، حيث الأزقة التي تتحول بعد منتصف الليل إلى ممرات بلا قانون، كانت جوزفين صابر – نانسي – تنتقل يوميًا بين غرفة التعاطي وغرفة البيع التي يديرها الفلسطيني أسامة. أ.
الغرفتان واحدة... ينبضان بمخدرات السيلفيا والحشيشة والكوكايين، ويخرج منهما بشر محطمون، وسكون يحمل رائحة الموت أكثر مما يحمل رائحة الحياة. المخيم ليس تجمعًا سكنيًا، بل مساحة منفلتة من الدولة، قائمة على المطلوبين الذين يعيشون بين الناس، والخوات التي تُفرض بالقوة، والمسلحين الذين يتحركون كما لو أنهم سلطة داخل سلطة.
في تلك الليلة، سلكت نانسي الطريق المعتاد نحو غرفة أسامة. وخلال دقائق، أصبح المكان مسرحًا للدم. القتيلة لم تُقتل بسكين كما ظنّ البعض، بل قُتلت بسلاح كلاشينكوف. الرصاصة أُطلقت من مسافة قريبة داخل الغرفة نفسها، واستقرت في صدرها، فيما تناثرت قطرات الدم على الجدار المقابل، وانزلقت على البلاط باتجاه الباب.
بعد لحظات قليلة من إطلاق النار، كان أول من دخل الغرفة الموقوف م. س، الذي هرع من الغرفة الخلفية فور سماع الرصاصة. وجد نانسي مستلقية على جانبها الأيمن، والدم يندفع من صدرها ويتجمع بسرعة قرب الباب. هذه كانت البركة الأولى التي شاهدها، بركة دائرية تنتشر وتنساب على شكل خط رفيع نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الخارج.
بعده مباشرة دخل الموقوف س. ب، الذي حاول سحب الجسد بعيدًا عن مكان سقوطها، مدعيًا في التحقيق أنه اعتقد أن إخراجها من الغرفة قد يساعد في إنقاذها. أمسك بكتفيها وسحبها مسافة نصف متر تقريبًا، فترك جسدها أثرًا واضحًا من الدم على الأرض، قبل أن يتوقف حين رأى النزف يزداد.
في هذه اللحظة تمامًا، وصل الموقوف ر. ع، الذي كان واقفًا عند مدخل الزقاق. قال إنه رأى الدم للمرة الأولى عند عتبة الغرفة، على شكل خط طويل تكوّن من محاولة سحب الجثة. وأضاف أنه رأى يد نانسي ترتطم بالباب الخشبي أثناء محاولة نقلها، وأن أصابعها تركت أثرًا خفيفًا على الأرض المغطاة بغبار أسود رطب.
أما الموقوف أ. خ، الحارس الليلي، فقد كان آخر من دخل، لكنه كان أول من لاحظ أن من حاول سحب الجثة لم يُكمل المهمة. قال إنه شاهد الجسد متوقفًا عند منتصف الغرفة، وإن الدم كان يسيل باتجاه الخارج، كأنه يدلّ على مسار الجريمة لحظة بلحظة.
عند تفتيش غرفة أسامة، عُثر على ظرف فارغ لرصاصة كلاشينكوف خلف الباب مباشرة، إضافة إلى آثار احتكاك على الأرض، تدل على محاولة سحب الجسد نحو العتبة. كما تم العثور على آثار مسحوق بارود على الجدار الجانبي، ما يؤكد أن الإطلاق كان من مسافة قصيرة جدًا.
اعترافات الموقوفين، رغم محاولة البعض إخفاء تفاصيل، أنهت الجدل حول كيفية حصول الجريمة:
- الدخول كان مشتركًا بين نانسي والحسيني.
- الخلاف كان قائمًا من أيام.
- الرصاصة أُطلقت في الداخل.
- المسلح ج. ح شوهد حاملًا بندقيتين قبل دقائق.
- المخرج الوحيد كان عبر الممر الضيق، حيث شوهد الحسيني يهرول باتجاه "المربع".
بعد تثبيت الوقائع، قامت القوة الفلسطينية بتوقيف الحسيني والمجموعة المحيطة به، وتم تسليم المتهم الرئيسي وأربعة من الموقوفين، الذين ثبت وجودهم في اللحظات الحاسمة، إلى مديرية المخابرات، وفق إشارة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم.
غانم باشر الاستجواب فورًا، وطلب تحليل توقيتات الحركة بين الزقاق والغرفة، ومطابقة إفادات الموقوفين مع زمن إطلاق الرصاص، كما أمر بالتوسع نحو تحديد مصدر السلاحين اللذين كان يحملهما ج. ح، ودراسة آثار الدم ومسار السحب من الداخل إلى الخارج.
بعدها، أحال القاضي غانم الملف إلى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، الذي يعتبر أن مثل هذه الجرائم ليست منفصلة عن الشبكة الأكبر، التي تدير غرف التعاطي والسلاح والخوات والمطلوبين المتوارين داخل المخيم.
وفي ضوء الأدلة والوقائع والاعترافات، ادعى القاضي سامي صادر على المتهمين بمواد جرمية تصل عقوبتها إلى الإعدام، مع طلب التشدد في توصيف الجرم، باعتباره قتلًا مقصودًا داخل إطار عمل مجموعات منظمة مسلحة، ما يفتح الباب قانونيًا أمام أشد العقوبات.
وهكذا، انتقلت الجريمة من فوضى الأزقة إلى تحقيق قضائي موسّع: أسماء، توقيتات، دم، رصاصة، سلاح كلاشينكوف، مسار السحب، شاهد رأى البركة الأولى، شاهد رأى اليد ترتطم بالباب، مسلح يحمل بندقيتين، ومتهم خرج قبل دقائق من انكشاف الجثة، ثم ادعاء قضائي بأقصى مواد العقاب وصولًا إلى الإعدام.
لكن الأخطر يبقى أن البيئة نفسها التي قتلت نانسي لا تزال تنبض، وأن غرف التعاطي لا تزال تعمل، وأن المسلحين لا يزالون يتحركون كما لو أنهم الدولة البديلة. وما لم تُقفل هذه البؤر، فلن تكون نانسي آخر الضحايا.











11/26/2025 - 13:25 PM





Comments