معتز فخرالدين *
سؤال يستدعي التأمل العميق، لأنه يلامس صميم معضلة الهوية في المشرق العربي. فالعروبة، بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمعات العربية، شكلت مشروعاً حقيقياً للانتماء: هوية ثقافية–لغوية جامعة، وخطاباً تحررياً في مواجهة الاستعمار، ومحاولة لبناء دولة المواطنة التي تتجاوز الانقسامات المذهبية والإثنية.
لكن في المقابل، تعاملت بعض المكونات مع العروبة بوصفها غطاءً سياسياً أكثر منها انتماءً فعلياً، خطاباً للاستهلاك العام يُستخدم لتجنب الصدام مع محيط عربي ضاغط، أو تقيّة تخفي خلفها هويات فرعية أشد حضوراً في الوعي الجمعي—طائفية كانت أو إثنية أو حتى امتداداً لمشاريع إقليمية متجاوزة للدولة الوطنية.
وهكذا تباينت العلاقة مع العروبة بين من اعتبرها مشروعاً حضارياً جامعاً، وبين من رآها مظلة ظرفية سرعان ما انكشفت حقيقتها مع كل أزمة. وهذا التباين يفسر، إلى حد بعيد، لماذا لم تنجح الهوية الجامعة في ترسيخ ذاتها، ولماذا ارتدت مجتمعات كثيرة إلى هوياتها الصغرى عند أول اختبار.
العروبة بين الهوية والهويات الفرعية: تشريح إشكالية الانتماء
مع كل منعطف تهتز فيه ركائز الاجتماع العربي، يعود السؤال عن العروبة كهوية جامعة ليكشف حجم التعقيد الكامن في علاقة الفرد بجماعته. فالهويات الفرعية تتقدّم بقوة، بينما تتأرجح العروبة بين كونها إطارًا حضاريًا عميقًا، وشعارًا ينهار عند أول اختبار.
وهنا يبرز التساؤل المركزي: هل كانت العروبة لدى مكوّناتها التاريخية انتماءً صادقًا، أم رُفعت أحيانًا كتقيّة سياسية وثقافية لتجنب الصدام مع ولاءات محلية أشد رسوخًا؟
هذا التساؤل ليس استهدافًا لأي مكوّن، بل محاولة لفهم طبيعة التفاعل بين الهوية الجامعة والهويات التي سبقتها واستمرت معها: الطائفية، القبلية، الإثنية، والمذهبية. فالعروبة لم تولد كهوية مكتملة، بل تشكّلت تاريخيًا كفضاء ثقافي واسع، ثم كمشروع تحرري ضد الاستعمار، ومسعى لبناء دولة حديثة، فيما بقيت الهويات الفرعية حاضرة في عمق وعيك العربي، تظهر عند كل اختبار سياسي أو أمني، ما يجعل دراسة هذا التلازم ضرورية لفهم واقع المشرق اليوم.
العروبة كهوية جامعة: بين الفكرة والممارسة
العروبة عبر تاريخها شكلت إطارًا ثقافيًا جمع اللغة بالدين والتاريخ المشترك، لكنها لم تنجح دائمًا في أن تكون المظلّة الأقوى. المجتمعات العربية بطبيعتها مركّبة، تتعايش فيها طبقات متعددة من الهويات، تتقدّم إحداها أو تتراجع بحسب الظروف السياسية والاجتماعية.
يشير أمين معلوف في الهويات القاتلة (1998) إلى أنّ الإنسان لا يحمل هوية واحدة، بل طبقات متراكمة قد تصبح «قاتلة» حين تشعر بالتهديد. والعروبة لم تكن الطابق الوحيد في هويتك، بل إحدى طبقاتها، وعندما غاب دور الدولة الحديثة القادرة على إدارة التعدد، استعادت الهويات الفرعية حضورها بقوة.
ويؤكد برهان غليون (تحليل العلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية، 2000) أن المشكلة لا تكمن في تعدد الهويات، بل في البنية السياسية التي تنظّمها: كما يشير عبد الغني عماد (سوسيولوجيا الهوية، 2017) إلى أن الهويات الفرعية ليست نقيضًا للهوية الجامعة، بل جزء من شبكة معقدة من الولاءات تحتاج إدارة سياسية رشيدة لا قمعًا أيديولوجيًا.
الهويات الفرعية: تاريخ الحضور المستمر
الهويات الفرعية لم تكن مجرد استثناء في التاريخ العربي، بل كانت دائمًا ثابتة. من الأمويين إلى العصر الحديث:
• العصر الأموي: تعاظمت العصبيات القبلية بين القيسية واليمنية، وتأثرت بها السياسة والصراعات.
• العصر العباسي: برزت الانقسامات العرقية والإثنية، ودور الشعوبيين في الحراك السياسي والثقافي.
• الفترات الحديثة: ظهرت إمارات وممالك محلية حافظت على هوية عامة عربية، لكن ولاءاتها الأساسية بقيت قبلية أو مذهبية أو مناطقية.
كما يوضح ابن خلدون (المقدمة، 1377 هـ/14م):
اليوم، يظهر هذا التاريخ في كل أزمة سياسية أو أمنية، ما يجعل فهم هشاشة الهوية القومية مرتبطًا بغياب الدولة الحديثة.
القرن العشرون: حين حاولت العروبة أن تصبح دولة
مع انهيار الدولة العثمانية وصعود الاستعمار الأوروبي، تحوّلت العروبة من إطار ثقافي إلى مشروع سياسي. ظهرت محاولات الوحدة في مصر وسوريا والعراق واليمن، لكن السؤال الجوهري لم يكن في قوة الخطاب القومي، بل في مدى تجذره في المجتمع.
بينما حملت جماعات واسعة المشروع القومي بصدق، اعتبرته جماعات أخرى إطارًا فوقيًا لا يعكس انتماءاتها الفعلية. في لبنان، بقيت العروبة قوية ثقافيًا وسياسيًا لكنها مرتبطة بالتوازن الطائفي، ما جعل حضورها متفاوتًا بين مكوّن وآخر. أما في العراق وسوريا، فقد كشف انهيار السلطة المركزية عن قوة الولاءات العشائرية والمذهبية والإثنية، وأبرز محدودية قدرة العروبة السياسية على تثبيت نفسها.
أمثلة معاصرة على قوة الهويات الفرعية
1. لبنان: الطائفية المستمرة تجعل الولاءات الدينية والطائفية أقوى من الانتماء العربي، كما ظهر في الأزمات السياسية والحروب المحلية.
2. العراق بعد 2003: انهيار الدولة المركزية أعاد قوة الولاءات العشائرية والمذهبية، ما قلل من فاعلية العروبة السياسية.
3. سوريا: الحرب الأهلية منذ 2011 أظهرت تفوق الهويات الطائفية والمناطقية على الانتماء القومي.
4. اليمن: الصراع بين الحكومة والحوثيين يعكس صعود الانتماءات القبلية والمذهبية على المشروع الوطني.
5. ليبيا بعد 2011: التنافس بين الميليشيات المحلية والمدن أظهر أن الولاءات الجغرافية والقبلية تتفوق على الانتماء الوطني أو القومي.
غياب الدولة الحديثة: المدخل الحاسم لفهم الإشكالية
الهويات الفرعية لا تتحوّل إلى تهديد إلا عندما تفشل الدولة في إدارة التعدد. الدولة الحديثة — بقوانينها ومؤسساتها — تحول الانتماء القومي من شعور عاطفي إلى ممارسة يومية. وعندما تغيب الدولة، يعود الفرد إلى روابطه الأولى: الطائفة، القبيلة، المذهب، العشيرة، وحتى القرية.
كما يشدد غليون (2000) على:
العروبة: حقيقية أم تقيّة؟
يمكن تصنيف علاقة المكونات العربية بالعروبة إلى ثلاثة أنماط:
1. عروبة الانتماء: هوية أصيلة وامتداد طبيعي للتاريخ والثقافة.
2. عروبة الاضطرار: قبول بالعروبة كخيار واقعي في محيط عربي معقد.
3. عروبة التقيّة: استخدام الشعار القومي كغطاء لمصالح فئوية ضيقة.
تختلف هذه الأنماط بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية لكل مكوّن، وتعكس التحدي الحقيقي لبناء هوية جامعة قائمة على الممارسة اليومية، لا مجرد الشعارات
نحو عروبة المواطنة
الخيار اليوم ليس بين عروبة متصلبة وهويات فرعية منغلقة، بل بين بناء «عروبة المواطنة» التي تقوم على:
الدولة المدنية: فصل الهوية عن السلطة والتعامل مع المواطنين كأفراد.
العدالة الاقتصادية: معالجة التفاوت التنموي بين الأقاليم والمناطق، وتقليل النزعات الانفصالية.
الثقافة التعددية: الاعتراف بالتنوع كمصدر قوة وليس كعبء.
المشروع الاقتصادي المشترك: تحويل الوحدة من شعار إلى مصلحة ملموسة عبر تكامل اقتصادي حقيقي.
آليات تنفيذية عملية:
في التعليم: دمج منهج “التربية على المواطنة العربية” وإنشاء منصة رقمية موحدة للتعليم العالي.
في الاقتصاد: ضمان اجتماعي عربي متنقل وصندوق تنمية للمناطق المهمشة.
في الثقافة: مهرجانات ثقافية متنقلة ومتاحف افتراضية للتراث المشترك.
التجربة الأوروبية توضح درسًا مهمًا: الهوية لا تنتصر بسبب أصالتها فقط، بل لأنها توفر حرية حركة، سوقًا موحدة، وفرص عمل أفضل، ما يجعل الانتماء ذو جدوى وفائدة ملموسة.
من الشعار إلى الفعل
العروبة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول من خطاب شعاراتي إلى هوية نعيشها يوميًا وعقد اجتماعي حقيقي، أو تظل حبيسة الرومانسية التي تنهار عند أول مواجهة مع الواقع.
نحن في لحظة مصيرية: إما أن نتحرك من خطاب الشعارات إلى فعل التغيير، أو نترك استمرار التفتت مستمرًا. “عروبة المواطنة” ليست شعارًا، بل خريطة طريق تبدأ من خطوات عملية: تشكيل تحالفات مدنية عابرة للحدود، إطلاق مبادرات اقتصادية تثبت جدوى التكامل، وتوثيق قصص النجاح في إدارة التنوع.
عروبتنا لا تنكر الهويات الفرعية، بل تعترف بها وتدمجها ضمن مشروع جامع. الوحدة ليست اندماجًا قسريًا، بل تعاونًا طوعيًا بين مكوّنات متنوعة تجمعها مصالح مشتركة وقيم موحدة.
نبدأ من حيث نحن: كأفراد بتجاوز الخطاب الطائفي، وكمجتمعات محلية بالحوار الجاد، وكمؤسسات بتبني سياسات تعزز الانتماء التعددي. كل خطوة، ولو صغيرة، نحو تعزيز الثقة وبناء المصالح المشتركة، هي لبنة في صرح العروبة الجديدة.
العروبة من حلم ينتظر التحقق إلى واقع نعيشه يوميًا، في عدالة نلمسها، وفرص تتاح لنا، وكرامة تحفظ للجميع.











11/24/2025 - 10:38 AM





Comments