من منبوذ إلى شريك: رؤية محمد بن سلمان تصافح "أميركا أولاً"

11/24/2025 - 08:59 AM

A

 

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

كيف أعاد محمد بن سلمان رسم قواعد اللعبة الأميركية–السعودية ووضَع الرياض في قلب استراتيجية واشنطن للقرن الحادي والعشرين.

في نوفمبر 2025، دخل ولي العهد السعودي واشنطن كمن يكتب فصلاً جديداً في التاريخ. استقبال إمبراطوري، عشاء في البيت الأبيض مع عمالقة التكنولوجيا، استعراض جوي لطائرات F-35، وتعهدات باستثمارات سعودية تفوق التريليون دولار. بدا المشهد كأنه "صفحة جديدة" في العلاقات الأميركية–السعودية: الرئيس دونالد ترامب يُشيد بالأمير محمد بن سلمان ويصفه بأنه "حليفٌ عظيم"، بينما يتعهد ولي العهد بتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين. بالنسبة للكثيرين، بدا هذا التحول وكأنه انتصارٌ قائمٌ على المصالح المتبادلة: رؤية 2030 تلتقي بشعار "أميركا أولاً".

وعود على الورق
أسفرت زيارة بن سلمان عن سلسلة من الاتفاقيات: اتفاقية دفاع استراتيجي تُصنّف المملكة العربية السعودية كـ "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو"، وإطار عمل للتعاون النووي المدني، ومذكرات تفاهم بشأن الذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية، وتعهدات باستثمارات سعودية في أميركا بقيمة تريليون دولار. المتفائلون يرون فيها فرصاً لتعزيز الردع ضد إيران، وتنويع مصادر الطاقة السعودية، وخلق فرص عمل أميركية، ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد. ومن شأن صفقة بيع ما يصل إلى 48 طائرة مقاتلة من طراز F-35 أن تُحدّث سلاح الجو الملكي السعودي، بينما يمكن للتعاون النووي أن يُرسّخ تحوّل الرياض نحو اقتصاد ما بعد النفط.

ما وراء البريق
لكن المشككين يحذرون من المخاطر؛ فالاتفاق الدفاعي غير مُلزم، ما يثير المخاوف من تورط أميركي في اليمن أو السودان دون موافقة الكونغرس. كما أن الصفقة النووية تتجاوز "المعيار الذهبي" الصارم الذي كان الكونغرس قد فرضه حول إلزامية تخصيب اليورانيوم خارج أراضي دول الشرق الأوسط. أما صفقة الطائرات فتثير قلق إسرائيل، حتى بنسختها المخففة، وسط مخاوف استخباراتية أميركية من تسرب التكنولوجيا المتقدمة للطائرة إلى الصين. عن طريق مهندسيها الذين يعملون في السعودية. ما قد يدفع الكونغرس، الذي لا يزال متأثراً بتجربة اليمن، إلى عرقلة صفقات المفاعلات والطائرات المقاتلة على حد سواء.

ارتدادات إقليمية
زيارة محمد بن سلمان لواشنطن تأسيسية، لكن منطقتنا الغارقة بحروبها تضع تحديات كبيرة أمام نتائج الزيارة: بالنسبة لإيران، تفرض الاتفاقيات بين الرياض وواشنطن أقصى درجات الضغط عليها، خاصة في غياب أي مخرج دبلوماسي لأزمة النظام الإيراني المستمر بتسليح ميليشياته. وإسرائيل قلقة من اصرار محمد بن سلمان على ربط التطبيع بالتقدم في مسألة إقامة الدولة الفلسطينية. والحوثيون لن يلقوا السلاح لأن الرياض اشترت طائرات أميركية، وإيران لن تتخلى عن طموحاتها النووية لأن مفاعلات السعودية تُبنى تحت إشراف واشنطن. أما إعادة إعمار غزة، فتبقى رهينة حكومة إسرائيلية ترى في كل مكسب سعودي خسارة لها.

رسائل طهران: مناشدة بزشكيان وسط صعود نفوذ الرياض
كان القلق الإيراني من الاستقبال الحافل لمحمد بن سلمان في البيت الأبيض واضحاً للعيان، وهو مشهد يؤكد النفوذ المتزايد للرياض، مدعوماً بصفقات بمليارات الدولارات وأسراب أقوى طائرات في العالم. إن رسالة الرئيس مسعود بزشكيان التي يحث فيها محمد بن سلمان على الضغط على واشنطن لإحياء المحادثات النووية المتوقفة، هي اعتراف صريح بضعف نظام الملالي الذي يعاني من وطأة العقوبات، وانهيار الريال، والهجمات الإسرائيلية–الأميركية على نطنز وفوردو في يونيو/حزيران الماضي. تصر طهران على أنها تسعى إلى "السلام لا المواجهة"، لكن مناشدة رئيسها تكشف قلقاً من محور سعودي–أميركي قد يعزل إيران من اتفاقيات الأمن الإقليمي، أو ما هو أسوأ، قد يمنح الضوء الأخضر لشن ضربات جديدة على طهران.
أما بالنسبة لنا، أهل الشرق الأوسط، فإن الرمزية واضحة: تصل المملكة العربية السعودية إلى واشنطن كشريك يساهم في صياغة الاستراتيجية الأميركية، بينما تتوسل إيران وساطة الرياض لتجنب العزلة. ومحمد بن سلمان، الذي كان بالأمس خصماً للنظام الإيراني في حروب الوكالة، يمتلك الآن النفوذ الكافي للتوسط في طموحات إيران النووية أو إجهاضها.

لا اتفاق بدون فلسطين
ثم تأتي فلسطين، القضية التي لا تزال تحدد مصير أي زعيم عربي، بين الترحيب والتنديد. فعلى عكس البحرين والإمارات العربية المتحدة، رفض محمد بن سلمان التسرع في الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. وقد قال لترامب بوضوح: "نريد أن نكون جزءاً من هذه الاتفاقيات، ولكن فقط بوجود مسار واضح لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية". لا مجال لـ "سلام اقتصادي" غامض، ولا لتطبيع مقابل طائرات. إن إصرار القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة على ربط السلام مع إسرائيل بالحقوق الفلسطينية كشرط وحيد منح محمد بن سلمان شيئاً لا يُقدّر بثمن: المزيد من الشرعية في الداخل وفي جميع أنحاء العالم العربي، حتى وهو يوقع على صفقات أسلحة وتكنولوجيا نووية أميركية.

الحارس الجديد للسلام العربي- الإسرائيلي
هل سيُعيد ترامب إحياء حل الدولتين؟ من المشكوك فيه أن يقوم ترامب، الذي سبق أن دفن حل الدولتين، بإحيائه مجدداً. لكن برفضه التخلي عن القضية الفلسطينية مقابل طائرات F-35، وضع محمد بن سلمان المملكة العربية السعودية - وليس رام الله ولا القاهرة ولا أبو ظبي - في موقع الحارس الجديد للسلام العربي الإسرائيلي. ففي غضون أسبوع واحد، تمكن ولي العهد من الظهور بمظهر المؤيد لأميركا وللفلسطينيين في آن واحد، وهي معادلة صعبة.

المملكة العربية السعودية: حليف أم فخ؟
يمكن قراءة زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن من زوايا متعددة. حيث يرى المؤيدون للتقارب أن المملكة العربية السعودية لا تزال ركيزة أساسية لأمن الطاقة الأميركي وحصناً منيعاً في وجه طموحات الصين في "مبادرة الحزام والطريق". أما المنتقدون، فيحذرون من "فخ متعدد الأقطاب"، حيث يوازن محمد بن سلمان بين مجموعة بريكس وإيران وواشنطن بطرق تُضعف النفوذ الأميركي. لكن أمام الرياض ثلاث سنوات لتثبت لمن سيخلف ترامب أنه لن يستطيع نبذها، ديمقراطياً كان أم جمهورياً.

أعادت زيارة ولي العهد السعودي لواشنطن ضبط العلاقات بين البلدين بطريقة جريئة، تطوي حقبة 11 أيلول، ومرحلة مقتل جمال خاشقجي التي يتمسك بها الحزب الديمقراطي بشدّة، وتفتح صفحة جديدة، تعِد بالازدهار والتوافق الاستراتيجي، وتُرسخ مكانة الرياض كشريك وفاعل رئيسي على الساحة الدولية في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment