بيروت - ألفة السلامي
مشهد عيد الميلاد يبدو أنه حل مبكرا هذا العام في لبنان حيث لاحظت محلات شارع الحمراء وقد وضعت مظاهر الزينة في واجهاتها بينما شجرة الميلاد تغازل بأضوائها الحمراء الزائرين. حتى بعض البيوت والفنادق والمطاعم وضعت ديكورات عيد الميلاد مبكرا وقد شعرت برسالة من هذا الاستعداد المبكر للاحتفال بالسنة الجديدة وكأن اللبنانيين في حاجة ماسة للفرح وربما يستعجلون قدومه وسط واقع مرير مليء بالتحديات.
كما أنهم يتوقعون عودة المغتربين في عطلة أعياد الميلاد لتحقيق رواج وتحفيز على الشراء هم في أشد الحاجة إليه لسداد ديونهم وتحقيق أرباح؛ بل ذلك أصبح أشبه بالحلم حيث تتنافس المتاجر ومراكز التسوّق الكبرى لعرض أفضل ما لديها وتقديم إغراءات للزوار في شكل عروض، علّ الحلم يتحقق باستقبال أعداد كبيرة من المغتربين هذا العام حتى تكتمل أجواء الفرح.
ظروف معيشية صعبة
سألت سائقا من شركة لبنانية للتاكسي عن الوضع الاقتصادي والظروف المعيشية فحدثني عما أعرفه ويعرفه الكثيرون حول الأزمة وبنبرة حزينة اختلط فيها الجانب الشخصي مع الجوانب العامة. حكى كيف أنه يدفع حوالي مائتي دولار كل أسبوع مقابل الكهرباء ومولدات توليدها في العمارة التي يقطنها حيث لا تأتي الكهرباء العامة إلا ساعتين أو ثلاثة في اليوم. كما يدفع مبلغا مماثلا أو يزيد لشراء الماء حيث تأخر موسم الأمطار هذا العام وبالتالي جف البئر الذي يعتمد عليه السكان في استهلاكهم اليومي وليس للشرب.
كذلك قصّ حكايته باختصار مع أنات صعبة لكن روح مازالت عنيدة لرجل شارف على الستين. قال إنه من ضحايا انفجار مرفأ بيروت حيث دُمّر مقر الشركة داخل المرفأ واضطرت الشركة التي يعمل بها محاسبا لإغلاق أبوابها دون صرف تعويضات للعاملين. واضطر للعمل كسائق ولولا الرحلات الطويلة مثل نقل بعض الركاب لسوريا لما حقق عائدا يوازي مجهوده اليومي.
البندورة بدولارين
تحدثت في السوق الشعبي مع عدة سيدات فوصفت إحداهن صعوبة تدبير وجبة يومية بانتظام نظرا لارتفاع أسعار الخضر واللحوم، على الرغم من أن كل المعروض محلي ومن مزارع لبنانية. وقالت أخرى إن سعر الكيلو الواحد من البندورة يبلغ دولارين! وأشارت ثالثة إلى أنها دفعت عشرين دولارا للعامل السوري الذي أصلح لها حنفية المطبخ والحمام. على ذكر السوريين، فرغم كون العديد منهم عاد إلى بلده أو يستعد للعودة، إلا أن أعدادا كبيرة مازالوا يقيمون ويشكلون القوى العاملة النشيطة في أرجاء لبنان كما هو معروف عنهم. لكني لاحظت وجود بعض النسوة والأطفال في أماكن قريبة من الفنادق والمطاعم والمولات الكبيرة يستجدون المارة وخاصة السياح طلبا للمساعدة، ونادرا ما يكون بينهم رجال. وعرفت من بائعة في محل للملابس -تشعر بالضجر من وجود هؤلاء المتسولين-أنهم "سوريون" حيث كنت أظن أنهم لبنانيون ولم أكن قد أدركت الفرق في اللهجة.
الموقف الأمريكي
على المستوى السياسي، قد تتفاوت التقييمات للمشهد اللبناني الحالي وفقا للانتماء السياسي والأيديولوجي والانتماء المذهبي، لكن الموقف من العدو واحد. وقد استمعت لإجابات عدد من المراقبين عندما سألتهم حول إمكانية استكمال السلام الذي وعدت به الولايات المتحدة. أشار البعض إلى أن المشهد اللبناني يختلف جذريًا عن نموذج التسوية المحتملة في غزة؛ فلا يرون أن العوامل التي سهّلت التسوية هناك تتوفر في لبنان حاليا.
الموقف الأميركي في الحالة اللبنانية لا يعكس فقط الانحياز الإسرائيلي، بل يتجاوزه إلى رؤية مخلة للدولة اللبنانية تعتقد بأنها قابلة لإعادة الصياغة. وعبر بعض المراقبين عن غضبهم من تصريحات المبعوث الرئاسي توم باراك بوصفه لبنان -في لهجة استعلاء-بالدولة الفاشلة ومسؤوليها بالديناصورات، مطالبا الحكومة بالسير على خطى سوريا والبحث عن إبرام اتفاق أمني مع الكيان الإسرائيلي. في حين يعرف القاصي والداني أن الوسيط الأميركي ليس عادلا ويبحث عن إمكانية إعادة تشكيل لبنان بما يخدم أمن الكيان الإسرائيلي، الذي لم يوقف هجماته على مناطق لبنانية.
وحدة الصف اللبناني
رغم أن اللبنانيين يتوقون للسلام ويتمنون أن يضطلع الجيش بمهام الدفاع عن البلاد لكنهم متخوفون من عدم جاهزية الجيش ومن المخاطر المحتملة من إقدام الوسيط على اقتطاع أجزاء من الجنوب والبقاع لبناء طوق أمني فاصل للمنطقة المشتعلة، كما أنهم يستيقظون في صباحاتهم الحزينة على اعتداءات إسرائيلية شبه يومية تهدم المزيد من المنازل ويذهب ضحيتها أبرياء. ولعل استمرار الهجمات التي تضرب بعرض الحائط اتفاق وقف إطلاق النار تدفع الغالبية من اللبنانيين نحو الالتفاف صفا واحدا حول دولتهم وهويتهم ورفض الإملاءات الخارجية، وربما أيضا تأجيل خلافاتهم السياسية بما في ذلك ملف حزب الله.
هذا ملخص مشاهداتي وانطباعاتي والتي استنتجت غالبيتها من أحاديث مع مواطنين عاديين يجمعون على أن المشهد الراهن يضع لبنان أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها حسابات الدولة الوطنية مع استراتيجية حزب الله أمام الضغوط الإسرائيلية والأمريكية والدولية، مما يجعل الجنوب اللبناني جبهة مفتوحة على احتمالات متعددة. وهذا هو لبنان الحقيقي الذي قد يسيء فهم أولوياته الوطنية من يراهنون على شق صفوفه؛ هذا هو لبنان العنيد والعصي عن التفكيك، "لبنان الكرامة والشعب العنيد" كما تتغنى به السيدة فيروز في "بحبك يا لبنان". إنه لبنان الذي يتناسى همومه ويتوقف عن التفكير في الإصلاح الذي طال انتظاره وفي انهيار عملته وشح الماء والكهرباء ويستدعي فقط حبه للوطن بمجرد الهجوم عليه واستهداف العدو لأرضه وهويته. لعل هذا الحب للوطن هو الشيء الوحيد القادر الآن على بقاء اللبنانيين صامدين وقد يحميهم من التصدع ويوصلهم لبر الأمان!











11/23/2025 - 17:29 PM





Comments