فاروق غانم خداج *
يطرح اللبنانيون هذا السؤال في كل مرة يشتد فيها الألم وتضيق بهم سبل الحياة: ماذا لو عاد المغتربون؟ ليس السؤال ترفًا فكريًا، بل محاولة لاستعادة فكرة الوطن كما يجب أن يكون، لا كما صار عليه. فالهجرة، التي بدأت في نهايات القرن التاسع عشر، لم تكن موجة عابرة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الهوية اللبنانية، حتى غدا عدد اللبنانيين في الخارج يفوق عدد المقيمين. ومع ذلك، يبقى الأمل معلّقًا على لحظة قد تغير كل شيء: عودة المغتربين، لا عودة عاطفية فحسب، بل عودة فاعلة تحمل معها التجربة والخبرة والإرادة.
إن العودة المحتملة لملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم تفتح بابًا واسعًا للتأمل في مستقبل بلدٍ تعب من الانتظار، لكنه لم يفقد قدرته على الحلم. فالمغترب ليس مجرد فرد ترك وطنه، بل هو حامل لقيمة مضافة، وخبرة عالمية، وشبكة علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية تتجاوز حدود لبنان الضيقة. لذلك، تبدو العودة، إن حصلت، حدثًا مفصليًا يمكن أن يبدّل ملامح الواقع.
1. نهضة اقتصادية حقيقية
يمكن القول إن المغتربين هم الشريان الاقتصادي الأكثر ثباتًا في حياة اللبنانيين. فالحوالات التي تصل إلى الداخل سنويًا تشكل ركيزة أساسية لصمود آلاف العائلات، وهي في حالات كثيرة أهم من الاستثمارات الرسمية. لكن السؤال الأعمق: ماذا لو عاد أصحاب هذه الحوالات أنفسهم؟
لو عاد جزء من المغتربين فقط، لأمكن للبنان أن يشهد نهضة اقتصادية غير مسبوقة. فهؤلاء يحملون معهم رؤوس أموال حقيقية، ومعرفة عملية بأساليب الإدارة الحديثة، وتصورًا مختلفًا لما يجب أن تكون عليه المؤسسات. قد تعود المصانع المغلقة إلى العمل، وتنتعش قطاعات التكنولوجيا والطب والهندسة والسياحة والخدمات. ولأمكن خلق فرص عمل تقوم على الكفاءة بدل الولاء، وعلى الإبداع بدل الواسطة. إن العودة هنا ليست عودة أجساد، بل عودة طاقات قادرة على تغيير قواعد اللعبة.
2. إصلاح في الإدارة والثقافة السياسية
المغترب اللبناني، الذي عاش في دول تحكمها المؤسسات، تعلّم معنى الشفافية والمحاسبة واحترام القانون. عودته يمكن أن تشكل عامل ضغط على البنية الإدارية التقليدية التي أعاقت تطور البلد لسنوات طويلة. فوجود كتلة من أصحاب الفكر الحديث والمهارات المتقدمة يمكن أن يساهم في إدخال ثقافة جديدة إلى الإدارة العامة والمؤسسات: ثقافة الوقت، والإنتاجية، وعدم الخضوع للفساد الصغير الذي يلتهم روح الدولة.
وقد لا يكون التغيير واسعًا منذ اللحظة الأولى، لكن تراكم الخبرات قد يخلق تدريجيًا طبقة جديدة من القيادات السياسية والاقتصادية التي تتعامل مع الوطن بوصفه دولة لا مزرعة، وبوصف المواطن فردًا له حقوق وليس تابعًا لطائفة. هذا الاحتمال وحده كفيل ببث روح جديدة في الحياة السياسية اللبنانية.
3. إحياء اجتماعي وثقافي واسع
عودة المغتربين تعني أيضًا عودة قيم وتجارب إنسانية متنوّعة. فهؤلاء اكتسبوا من العالم رؤية مختلفة للحياة، أكثر انفتاحًا وتسامحًا ومرونة. عودتهم تفتح الأبواب لصياغة مجتمع أقل توترًا وأكثر قدرة على تجاوز العصبيات الصغيرة التي أنهكت البلاد.
فاللبناني المغترب، مهما طال غيابه، يحمل معه صورًا لا تمحى: قرية الأجداد، رائحة الصنوبر، لهجة الأم، وأحاديث الجيران. حين يعود، يعيد معه نبضًا اجتماعيًا يرمّم العلاقات العائلية ويصل ما انقطع بين أبناء الوطن الواحد. كما أن أطفال المغتربين، حين يتعرفون إلى وطنهم الحقيقي، يشكّلون جسورًا بين لبنان والعالم.
4. لكن… هل لبنان مستعد فعلًا لعودتهم؟
هنا تكمن المعضلة. فعودة المغتربين ليست قرارًا فرديًا بقدر ما هي نتيجة بيئة توفّر الأمان والاستقرار وفرص العمل. لا يمكن للمغترب أن يعود إلى وطن ما زال يعاني من أزمة كهرباء ومياه ونفايات وفساد. ولا يمكنه المجازفة برساميل جمعها بعرق السنين في بلد لا يزال يعاني من تناقض السياسات.
إن عودتهم مرتبطة بثقة تُبنى، لا تُفرَض. وهذه الثقة تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجه نحو الإصلاح، وإدارة حديثة، وقوانين واضحة تحمي المستثمر، وتشجع على الشراكة بين الداخل والخارج. العودة الممكنة تبدأ من الداخل، من قرار واعٍ بأن لبنان لن يقوم إلا بأبنائه.
5. خطوات عملية لجسر العودة
ربما لا يعود الجميع، وربما لا يعودون دفعة واحدة، لكن يمكن خلق بيئة تشجع على الارتباط العملي بلبنان. يمكن وضع حوافز ضريبية للمستثمرين من أبناء الاغتراب، وإنشاء منصات تعاون بين الخبرات في الخارج والطاقات في الداخل، وتطوير التعليم المهني والتقني ليكون قادرًا على استقبال الصناعات الجديدة، وتطبيق اللامركزية لتخفيف العبء عن الدولة المركزية.
إن بناء هذه الجسور لا يعني انتظار العودة الجماعية، بل جذب جزء منهم، ليمهّدوا الطريق لغيرهم.
خاتمة
ماذا لو عاد المغتربون؟
قد يصبح لبنان ورشة حياة لا ورشة أزمات. قد تستعاد الثقة، وتُحيى المؤسسات، ويولد اقتصاد جديد من رماد الانهيار. العودة ليست حلمًا بعيدًا، بل إمكانية واقعية تحتاج إلى قرار وشجاعة ورؤية. فلبنان، رغم كل تعبه، يبقى وطنًا لا يموت، ينتظر أبناءه… ليولد من جديد.
* كاتب وباحث لبناني، يحمل دبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها، نشر مقالات ودراسات في صحف لبنانية وعربية، ويُعرَف بأسلوبه الوجداني وقدرته على الجمع بين التحليل العميق واللغة المتوازنة في تناول قضايا الوطن والمغتربين.












11/22/2025 - 08:50 AM





Comments