دعوة الرئيس اللبناني إلى البيت الأبيض: لحظة مفصلية بين السيادة، السلام، وإعادة الإعمار

11/21/2025 - 14:58 PM

A

 

 

 

 

تحقيق اخباري من اعداد ليلى ابو حيدر

 

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى زيارة البيت الأبيض في لحظة سياسية دقيقة.

هذه الدعوة، التي جاءت بعد إلغاء زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن، لم تمرّ مرور الكرام في بيروت، بل فُهمت كرسالة دعم واضحة للرئاسة اللبنانية، وتحديدًا لشخص الرئيس عون، الذي انتقل من قيادة الجيش إلى قيادة الدولة، حاملاً معه رصيدًا من الثقة الدولية، وملفًا سياديًا شائكًا يتصدّره سلاح "حزب الله"، القرار 1701، ومستقبل الجنوب اللبناني.

لكن ما يضفي على هذه الدعوة طابعًا استثنائيًا هو تزامنها مع تحولات داخلية وخارجية متسارعة: من جهة، أطلق الرئيس عون مبادرة تفاوضية غير مسبوقة مع كل من إسرائيل وسوريا، برعاية دولية، تهدف إلى إنهاء الاعتداءات، واستعادة النُّقَط المحتلة، وتثبيت السيادة اللبنانية. ومن جهة أخرى، بدأت ملامح خِطَّة دولية لإعادة إعمار الجنوب اللبناني تتبلور، بدعم أوروبي وخليجي، وبمواكبة مباشرة من الأمم المتحدة.

دعم مشروط أم شراكة استراتيجية؟

الدعوة الأميركية ليست مجاملة دبلوماسية. إنها خطوة محسوبة، تحمل في طياتها دعمًا مشروطًا، ورسائل مزدوجة: دعم واضح للرئيس عون كممثل شرعي للدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه، اختبار لنوايا العهد الجديد في ما يخص السيادة، حصر السلاح، وتطبيق القرارات الدولية. فواشنطن، كما باريس، ترى في الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة القادرة على ضمان الاستقرار، وتنتظر من بيروت خطوات ملموسة تؤكد هذا الخيار.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

منذ توليه رئاسة الجمهورية اللبنانية، حرص جوزاف عون على إبراز دور الجيش كركيزة للاستقرار، وكمؤسسة تحظى بثقة الداخل والخارج. وفي خطابه الأخير من الجنوب بمناسبة عيد الاستقلال، قالها بوضوح: "الجيش جاهز لتسلّم النُّقَط المحتلة، ونحن مستعدون للتفاوض برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة". هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تحوّلًا في المقاربة اللبنانية، من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض، ومن منطق الدويلة إلى منطق الدولة.

ما بعد زيارة الشرع: تثبيت الشرعية أم إعادة تموضع؟

زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن، والتي رصدتها بيروت تايمز في تقرير سابق، أثارت تساؤلات حول محاولات بعض الأطراف الالتفاف على الشرعية اللبنانية، وفتح قنوات خلفية مع مراكز القرار الأميركي. في هذا السياق، جاءت دعوة عون كردّ مباشر، لتثبيت موقع الرئاسة كمرجعية سيادية لا يمكن تجاوزها، وللتأكيد أن أي تفاوض أو تسوية لا يمكن أن تتم خارج إطار الدولة.

مفاوضات السلام: من الجنوب إلى دمشق

في تطور لافت، أعلن الرئيس اللبناني عن استعداد بلاده للدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، برعاية أممية أو أميركية، تهدف إلى وقف نهائي للاعتداءات الاسرائيلية، واستعادة النُّقَط المحتلة، وتثبيت القرار 1701. كما أبدى انفتاحًا على فتح حوار مع سوريا، في إطار تسوية شاملة تعيد ضبط الحدود، وتنهي مِلَفّ التهريب، وتعيد اللاجئين السوريين إلى بلادهم ضمن آلية دولية.

حتى الآن، لم تتلق بيروت ردًا رسميًا من تل أبيب، لكن أوساط دبلوماسية تشير إلى أن واشنطن تواكب المبادرة اللبنانية باهتمام، وتسعى إلى تهيئة الظروف السياسية والإقليمية لإنجاحها. أما دمشق، فرحّبت مبدئيًا بأي حوار "يحترم السيادة ويخدم الاستقرار"، وفق ما نقلته مصادر إعلامية سورية.

إعمار الجنوب: من خطوط النار إلى مشاريع الحياة بالتوازي مع المسار السياسي، بدأت ملامح خطة دولية لإعادة إعمار الجنوب اللبناني تتبلور، بدعم من الاتحاد الأوروبي، ودول الخليج، ومؤسسات أممية. وتشمل الخطة:

- إعادة تأهيل البِنَى التحتية في القرى الحدودية المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية.

- دعم البلديات في مشروعات تنموية مستدامة، تشمل الزراعة، والمياه، والطاقة الشمسية.

- تعزيز حضور الدولة عبر بناء مراكز أمنية وإدارية، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحساسة.

- إطلاق برامج تعليمية وصحية بالشراكة مع منظمات دولية، تستهدف الشباب والعائلات المتضررة.

وتؤكد مصادر دبلوماسية أن هذه الخِطَّة مشروطة بتثبيت وقف إطلاق النار، وتقديم الحكومة اللبنانية تقارير شفافة عن تنفيذ القرار 1701، وانتشار الجيش في كل المناطق اللبنانية، وضبط السلاح غير الشرعي.

ماذا ينتظر من زيارة البيت الأبيض؟

في حال تمت، ستكون زيارة الرئيس عون إلى واشنطن منصة لطرح ملفات شائكة، أبرزها:

- تثبيت دعم الجيش اللبناني كمؤسسة سيادية، وتوسيع المساعدات العسكرية والتقنية.

- تفعيل المبادرة التفاوضية مع إسرائيل وسوريا، برعاية أميركية مباشرة.

- تأمين دعم مالي لإعادة الإعمار، ضمن آلية شفافة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها.

- تأكيد التزام لبنان بالحياد الإيجابي، ورفض استخدام أراضيه كساحة لصراعات إقليمية.

لحظة اختبار وفرصة نادرة

لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية. دعوة الرئيس عون إلى البيت الأبيض، والمبادرة التفاوضية مع إسرائيل وسوريا، وخطة إعمار الجنوب، كلها مؤشرات على تحوّل محتمل في المشهد اللبناني. لكن نجاح هذا التحوّل مشروط بوضوح الخيارات: إما الدولة أو الفوضى، إما الجيش أو الميليشيا، إما السيادة أو التبعية.

فرنسا تدعم، وواشنطن تراقب، والمجتمع الدولي مستعد للمساعدة. لكن القرار في النهاية لبناني. فهل يلتقط لبنان اللحظة، ويعيد تموضعه كدولة ذات سيادة، أم يفوّت فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة، داخليًا وخارجيًا؟

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment