جورج ديب
بالرغم من كل ما يعيشه لبنان من انهيارات اقتصادية وتوترات أمنية، تبقى فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون حاضرة بثبات، لا كدولة صديقة فحسب، بل كطرف يرى في لبنان امتدادًا وجدانيًا وتاريخيًا له، لا تكتفي باريس بإبداء التعاطف، بل تترجم هذا الارتباط العميق إلى خطوات عملية، ومواقف سياسية واضحة، ودعم مباشر للمؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، الذي تعتبره حجر الأساس في أي مشروع استقرار أو سيادة.
العلاقة بين فرنسا ولبنان ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى بدايات الكيان اللبناني الحديث. منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، كانت باريس حاضرة في كل منعطف حاسم: من دعم الاستقلال، إلى إعادة الإعمار بعد الحروب، إلى احتضان الجالية اللبنانية في المهجر. واليوم، تعود فرنسا لتؤكد أن دورها لم ينتهِ، بل يتجدد في ظل التحديات الراهنة، من تطبيق القرار 1701 إلى دعم الجيش، ومواكبة عمل قوات "اليونيفيل" في الجنوب، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحاجة الملحّة لتثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المجهول.
في الكواليس، تتحرك فرنسا بهدوء ولكن بفعالية. تضغط على شركائها الأوروبيين والدوليين لحشد الدعم للبنان، وتحثّ الحكومة اللبنانية على تقديم تقارير دقيقة وشفافة حول أداء الجيش، خصوصًا في الجنوب، حيث يشكل القرار 1701 أساسًا لأي تسوية مقبلة. وتولي باريس أهمية خاصة للجنة "الميكانيزم"، التي تنسق بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وتراقب وقف إطلاق النار. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن فرنسا تتعامل بجدية مع ملاحظات لبنان، لا سيما تلك المتعلقة بتثبيت السيادة، وتفعيل دور الجيش كقوة شرعية وحيدة على الأرض.
لكن التحدي الأكبر يبقى في ملف السلاح غير الشرعي، وتحديدًا سلاح "حزب الله". في هذا الإطار، كشفت مصادر غربية عن مبادرة فرنسية غير معلنة، نقلتها مستشارة الرئيس الفرنسي آن كلير لاجاندر، تتضمن تصورًا لموقع الحزب المستقبلي داخل الدولة، مقابل التخلي التدريجي عن سلاحه. المبادرة، وإن لم تُعلن رسميًا، تعكس رغبة فرنسية في فتح مسار تفاوضي جديد، يراعي التوازنات الداخلية، ويستند إلى دعم دولي وإقليمي، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لسلطة الدولة.
وفي موازاة ذلك، تواصل فرنسا دعمها المباشر للجيش اللبناني، ليس فقط عبر المساعدات اللوجستية والتقنية، بل أيضًا عبر التحضير لمؤتمر دولي جديد يهدف إلى تأمين تمويل مستدام للمؤسسة العسكرية. وتعتبر باريس أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على ضمان وحدة البلاد، وحماية حدودها، وتطبيق القرارات الدولية، بما فيها نزع سلاح الميليشيات. ولهذا، فهي تضغط لتسريع تقديم التقارير المطلوبة، وتفادي أي ذريعة قد تستخدمها بعض الدول لتقليص دعمها.
على الأرض، تواصل قوات اليونيفيل، التي تضم وحدات فرنسية فاعلة، أداء مهامها في الجنوب، رغم التحديات الأمنية والسياسية. وتطالب بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن لبنان بتقديم بيانات أكثر تفصيلًا حول انتشار الجيش، وعدد الدوريات، وخطط العمل، ما يضع الحكومة أمام اختبار جديد للشفافية والجدية.
وفي موازاة التحرك الفرنسي، برزت مؤخرًا مبادرة مصرية تهدف إلى خفض التوتر في الجنوب، والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والدول المعنية. هذا التحرك العربي، وإن كان لا يزال في بداياته، يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا لخطورة التصعيد، ولضرورة تثبيت الاستقرار، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في النهاية، يتضح أن فرنسا لا تنظر إلى لبنان كملف دبلوماسي عابر، بل كقضية ترتبط بالهوية والالتزام التاريخي. وبينما يستعد لبنان لتقديم تقاريره العسكرية، ولخوض مفاوضات دقيقة حول مستقبل الجنوب، يبقى الرهان على تفعيل الشراكات الدولية، وفي طليعتها الشراكة مع فرنسا، التي أثبتت عبر التاريخ أنها لا تترك لبنان في العاصفة، بل تمدّ له اليد، وتدعوه إلى النهوض، شرط أن يختار الدولة، لا الدويلة، والسيادة، لا التبعية.












11/21/2025 - 13:49 PM





Comments