د. خالد زغريت
كم شيّبني الحصول على هذا المخطوط؛ شاب لبد، والغراب، وأمير ميكافيللي، وليالي شهرزاد، ولم أعثر عليه. وكلما التقيت صديقي الذي ينتقص من ثقافتي لعدم اطلاعي على هذا المخطوط، وصديقي هذا يطلق على نفسه، إذا ما قرأ مخطوطًا عن جبل التوباد، "مجنون المخطوطات"، وإذا قرأ مخطوطًا عن فكّ ضفائر زنوبيا في روما، يسمى نفسه "هيرودوتس"، أما إذا قرأ مخطوطًا عن سلالة ناقة البسوس، فيلقب نفسه بـ"مقريزي الزمان".
ولفرط هيامه بالورق الأصفر، يصاب بالسكر وهو يتأمل لون ورق المخطوطات لا حروفها، فيغدو "أبا محجن"، على أنه يحفظ عناوين الكتب والمخطوطات ولا يضيّع وقته في قراءتها.
وكان يقتصر عمله على تكليف طلبته بتحقيق أجزاء من مخطوط، ثم يجمعها وينسبها لنفسه، ويحوز لقبًا جديدًا. وما دامت الألقاب في هذا الزمن حاويات تتساوى فيها النفايات والكفايات، لم أدقق كثيرًا.
لكن صديقي شيّب خاطري لكثرة ما منّني بخسارتي بعدم اطلاعي على مخطوط نادر، اشتراه من باحث عريق بتهريب الوجدان الثقافي، بعنوان "الخلاف في إنصاف البغال". وكنت كلما طلبت منه أن يريني المخطوط، قال: إنني أمنعه عنك خوفًا على عيونك، فهو مخطوط شابت حروف قصصه، لذلك أخاف أن تشيب نظراتك.
كنت أضحك، وأقول له: كيف تنصف البغال، وهي مفطورة على التمتع بسوط الحوذي أكثر من تمتعها بالتبن والشعير؟
كان يردّ: ذلك سر وجودها، متعة الأكل تحت السوط.
وتابع: ألم يتداعَ المؤرخون لإنصاف البغال التي كانت تجر عربة "غورو" حين دخل دمشق محتلًا، حيث تنادى بعض وجهائها فأفلتوا البغال، وربطوا أنفسهم مكانها، ليتباركوا بجر عربة الفاتح "غورو"، مرددين: "فرنسا الأمّ الحنون".
قلت له: تلك القصة ملفقة، والذين لفقوها هم البغال التي حرمت من جرّها... عدِّ عما ترى، في المخطوط قصة تشيب لها العدالة، لا هي عدالة "قرقوش"، ولا هي عدالة "بروكست"، ولا "قاضي سدوم".
كان الناس يرونه حصان إبليس لفرط شيطنته، فإذا ما كان بعض الناس بوجهين، فهو بستة أوجه.
ولشدة أذاه، أراد أبوه أن يعيد تربيته، فكان كلما سمع الأب شكوى عن ابنه، يقوم بإفلات بغلهم وربط ابنه مكانه. وكانت الناس تطمئن للبغل أكثر مما تطمئن لحصان إبليس، ولكن للأسف ما زاده ذلك إلا تبغيلاً.
فراح الناس يطلقون عليه "بَغْلَتْ شموس"، تيمّنًا باسم حكمت وبهجت.
كبر "بغلت"، وما كبر فيه إلا شموسه ومهارة رفسه وحرباويته.
كان "بغلت" بارعًا في تقمّص أدوار المظلوم، يؤلّف الحكاية، ويتماهى معها ناسياً أنها كذبته، فيسرع بالتباكي ليثير شفقة السفهاء الذين ينتعلون ضمائر نصف نعل.
فيستدرّ بدمعه الخلبي شهادات حسن سلوك بحجة: "ارمِ الكلب بحجرة، تسلم من نباحه".
ثم يطفق يرفس الهواء طربًا بتكسبه شرف مظلومية، ولا يفتأ يلبط الأرض فتتطاير الأحجار من تحت حافره، لتردّ على من تكسب منه شهادة حسن تبغيل.
سألت صديقي: أين الحكمة في القصة؟
قال: في حافر البغل.
ألم تقرأ كتاب "إميل" لجاك روسو، أبي التربية الحديثة؟
استغربت الأمر وتساءلت: أليس روسو من أودع أطفاله في دار الأيتام؟ كيف نربي أطفالنا بفكر من عجز عن تربية أطفاله فرماهم لقطاء في الميتم؟
وأبى أن يطلعني على المخطوط.
فقلت له: خلِّ البغال تحقق مخطوطك، لن ترضى البغال بغير السوط.












11/20/2025 - 04:20 AM





Comments