بقلم معتز فخرالدين *
لم تعد الدولة الحديثة تُقاس بحدودها الجغرافية ولا بموقعها على خارطة القوة التقليدية. معيار القيمة اليوم هو القدرة على إنتاج السياسات وصياغة الخيارات الاستراتيجية بقرار مستقل. العالم المعاصر لم يعد يسمح بالجمود أو التلقّي، بل يفرض على الدول أن تنتقل من كونها موضوعًا للسياسات إلى صانعًا لها، ومن موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.
الدولة كموضوع للسياسات
لطالما كانت الدول الصغيرة والهشّة تعتمد على خيارات الآخرين: إصلاحات مفروضة، شروط اقتصادية جاهزة، وسياسات خارجية مصممة بما يلائم مصالح القوى الكبرى. في هذا النمط التبعي، تُختزل الدولة في جهاز إداري منفذ للأوامر، بينما تُصادر إرادتها الوطنية تحت عناوين “الاستقرار” أو “الإصلاح” أو “التكيّف مع الواقع الدولي”.
التحوّل الوظيفي يبدأ من استعادة هذه الإرادة، ومن وعي الدولة بأنها ليست أداة ضمن مشروع خارجي، بل كيان قادر على إنتاج خياراته وصياغة مصالحه بنفسه.
من التلقّي إلى الفعل
عندما تنتقل الدولة من موقع التابع إلى موقع الفاعل، فإنها تعيد بناء بنيتها على أسس متينة متكاملة:
- اقتصاديًا: تنويع الإنتاج، تطوير الصناعات الوطنية، وتعزيز الزراعة لضمان الأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي.
- إداريًا: تطوير الخدمة العامة على أساس الكفاءة والجدارة، لا الولاء والمحسوبية.
- تعليميًا: بناء نظام تعليم يحرر العقل ويُنتج مواطنًا قادرًا على المشاركة في صناعة السياسات.
- سياسيًا وثقافيًا: ترسيخ المواطنة باعتبارها المصدر الوحيد للشرعية، واعتبار الجدارة أساس القرار.
بهذه العناصر، يصبح التحوّل الوظيفي عملية شاملة تعيد تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع والسياسة، وتضعها في موقع المبادرة لا التلقي.
التجربة المصرية الناصرية
مثّلت مصر الناصرية أبرز التجارِب العربية في الانتقال من دولة تابعة إلى دولة فاعلة. فبعد عقود من التبعية السياسية والاقتصادية في عهد الملكية، أعلنت ثورة يوليو مشروعًا وطنيًا تحرريًا هدفه استعادة السيادة وبناء دولة مستقلة القرار.
اتخذت الدولة خطوات ملموسة، أبرزها:
- تأميم قناة السويس واستعادة أحد أهم مفاصل السيادة الاقتصادية.
- بناء السد العالي دعمًا للأمن المائي والكهربائي والتنمية الصناعية والزراعية.
- توسيع الصناعات الوطنية وتقليل الاعتماد على الخارج.
- إصلاح نظام التعليم وتوسيع قاعدة المتعلمين.
- الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاح من الإقطاع.
- تبني سياسة عدم الانحياز لحماية القرار الوطني.
غير أن التجربة، رغم قوتها، واجهت تحدّيات بنيوية من أبرزها مركزية السلطة وغياب آليات رقابة مستقلة كانت يمكن أن تعزز مسار الدولة الفاعلة على المدى الطويل. ومع ذلك، بقيت التجربة نموذجًا عربيًا واضحًا في التحوّل الوظيفي.
التجربة السعودية المعاصرة
تقدّم رؤية السعودية 2030 نموذجًا حديثًا لإعادة تعريف وظيفة الدولة من خلال إصلاحات اقتصادية وتنموية واسعة تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع وتحصين القرار الوطني.
الرؤية تقوم على:
- استثمارات استراتيجية طويلة المدى،
- تحديث الإدارة الحكومية،
- تمكين الشباب،
وتطوير قطاعات إنتاجية جديدة خارج إطار الاقتصاد الريعي.
ورغم أن التحوّل يحتاج زمناً طويلاً للترسّخ الكامل، إلا أنه يبرهن أن الإرادة السياسية المدعومة بمؤسسات قوية قادرة على نقل الدولة من دور المتلقي إلى صانع السياسات.
التجربة التركية المعاصرة
تركيا مثال آخر لدولة أعادت صياغة وظيفتها في البيئة الإقليمية المعقدة. فقد اعتمدت على:
- تعزيز الاقتصاد المحلي والصناعات الاستراتيجية،
- بناء قدرات تكنولوجية وعسكرية،
- واعتماد سياسة خارجية نشطة فرضت حضورها في محيطها.
لكن هذا المسار، رغم إنجازاته، واجه كذلك تحديات تتعلق بالاستقرار السياسي والعملة والضغوط الدولية. ومع ذلك، أثبتت تركيا أن التحوّل الوظيفي ممكن حتى في الظروف الصعبة، إذا توافرت الرؤية والقيادة والمؤسسات.
التحدي العربي
تعيش الدولة العربية اليوم بين وظيفتين متناقضتين:
- وظيفة سياسية محدودة تُدار مدخلاتها ومخرجاتها من الخارج.
- وظيفة اجتماعية مستنزفة في إدارة الانقسامات الطائفية والفئوية.
في معظم الحالات، يبقى النظام السياسي العربي تابعًا للسياسات الدولية، فاقدًا القدرة على صياغة قرار استراتيجي مستقل.
لكن التحوّل الوظيفي ليس مستحيلاً.
إنه يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطنة بوصفها مصدر الشرعية، وللعقل السياسي باعتباره مصدر القرار. حين تستعيد الدولة قدرتها على التفكير في نفسها من داخل مشروعها الوطني، تكون قد دخلت المسار الصحيح نحو الفاعلية.
نحو دولة المبادرة
التحوّل الوظيفي مسار متكامل يقوم على:
- صناعة السياسات الداخلية والخارجية باستقلالية.
- تعزيز التعليم والصناعة والزراعة كأعمدة للاقتصاد الوطني.
- إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحقيق المساواة والديمقراطية كضمانة لمشاركة حقيقية.
- تحصين الداخل وتحرير السياسة من خدمة النفوذ إلى خدمة القرار الوطني.
الدولة الفاعلة تصنع سياساتها، بينما الدولة التابعة تُصنع لها السياسات.
وفي عالم يشهد تحولات استراتيجية وتقنية متسارعة، يصبح التحوّل الوظيفي شرط بقاء لا خيارًا سياسيًا.
لقد آن الأوان للدولة العربية أن تتحرر من دور التابع، وأن تعيد امتلاك قرارها، وتنتقل من معالجة الوقائع إلى صناعتها.
فالدولة التي تعرف وظيفتها، وتستند إلى شعبها ومؤسساتها، تستطيع أن تفرض إرادتها بمسؤولية واستقلال، وأن تجعل مستقبلها صناعة وطنية لا استيرادًا سياسيًا.
* باحث وكاتب سياسي












11/20/2025 - 03:10 AM





Comments