بيروت - بيروت تايمز - تحليل سياسي واخباري من إعداد الإعلامي جورج ديب
قرار إعفاء السفير الفلسطيني في لبنان، أشرف دبور، ليس مجرّد خطوة إدارية عابرة، بل هو عنوان لمرحلة سياسية جديدة تشهدها العلاقة بين السلطة الفلسطينية والشتات، وتحديدًا في لبنان. فقد جاء هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، وسط تعثّر تنفيذ خطة نزع السلاح من المخيمات الفلسطينية، مما يؤشر إلى تحوّل في الرؤية الاستراتيجية للقيادة الفلسطينية تجاه الوضع في لبنان، ويطرح تساؤلات جدية عن نوايا المرحلة المقبلة.
السفير دبور: أكثر من دبلوماسي
أشرف دبور كان يشغل موقعًا يتجاوز الصفات البروتوكولية لمهمة سفير. فمنذ سنوات، أدّى دور الوسيط الفعلي بين الدولة اللبنانية والقيادة الفلسطينية، وبين الفصائل والمخيمات، حتى داخل أروقة حركة "فتح" نفسها. وفي نظر الكثيرين، كان دبور صوتًا توافقيًا يعمل على تهدئة التوترات وتسهيل الحُوَار، وهو ما جعل إبعاده في هذا التوقيت تحديدًا مثيرًا للجدل.
في تقرير خاص لـ بيروت تايمز، أكد مصدر مطّلع أن دبور كان يعارض النهج الأحادي الذي بدأت تتبناه رام الله مؤخرًا في مِلَفّ السلاح، وأن استبعاده يُعد رسالة داخلية لكل من يعارض هذا التوجه.
عزام الأحمد: الإشراف المفاجئ والتصريحات الأوضح
تعيين عزام الأحمد كمشرف جديد على الساحة اللبنانية فُسّر على أنه محاولة لفرض مقاربة مركزية صارمة على المخيمات. لكن اللافت، كما كشفت تصريحات الأحمد نفسه، أن القرار بإقالة دبور اتُّخذ دون علمه أو مشاورته، وهو ما يؤشر إلى خلل تنظيمي داخل حركة "فتح" نفسها، ويعزز فرضية أن القرار صادر من دوائر ضيقة حول الرئيس الفلسطيني محمود عباس دون الرجوع إلى الهياكل التنظيمية الواسعة.
خطة نزع السلاح: بين الفشل البنيوي والاعتراض الميداني
في خضم هذا التوتر، تأتي خطة نزع السلاح كعنوان لسياسة غير ناضجة أو مكتملة الأركان. ورغم ما روّج له الإعلام الرسمي اللبناني والفلسطيني عن كونها "توافقية" و"مدعومة من الجميع"، فإن الواقع على الأرض يكشف عكس ذلك.
فبحسب مصادر خاصة لـ بيروت تايمز داخل عدد من المخيمات الرئيسية في لبنان، مثل عين الحلوة وبرج البراجنة، هناك رفض واسع لأي خطوة تُفهم على أنها مساس برمزية "المقاومة". كما أن فصائل نافذة، بعضها ينتمي لـ "فتح" وبعضها الآخر مستقل أو محسوب على محور المقاومة، ترى في الخطة محاولة لتفكيك البنية الأمنية الفلسطينية دون تقديم بدائل تحمي الكرامة السياسية للمخيمات.
بل أكثر من ذلك، تشير تقارير ميدانية إلى أن السلطة لا تملك فعليًا القدرة اللوجستية ولا النفوذ الكامل في أكثر من نصف المخيمات، الأمر الذي يجعل تنفيذ أي خطة أمنية مجرّد وهم سياسي ما لم يُبنَ على توافق شامل بين مختلف القِوَى.
مقاربة فوقية... تصطدم بالواقع المعقّد
تكشف هذه التطورات عن أزمة بنيوية في العِلاقة بين القيادة الفلسطينية في رام الله واللاجئين الفلسطينيين في الشتات اللبناني. فالمخيمات لم تعد، كما كانت في العقود السابقة، منصات تلقّي تعليمات، بل تحوّلت إلى ساحات رأي وقرار، ترتبط بتوازنات لبنانية وإقليمية معقّدة.
ومع استمرار السلطة الفلسطينية في فرض المسارات من الأعلى، ومع غياب الشراكة الفعلية مع الميدان، يبدو أن أي خطة أمنية أو سياسية ستكون عاجزة عن تحقيق نتائج ملموسة. حتى الدعم الدولي، الذي تراهن عليه السلطة، لا يمكن أن يُترجم فعليًا دون قبول ميداني وتنسيق داخلي.
من قصر بعبدا إلى أرض الواقع... الفجوة تتسع عندما أعلن الرئيسان جوزاف عون ومحمود عباس، من قصر بعبدا، الاتفاق على خطة نزع السلاح، بدا الأمر وكأنه إنجاز استراتيجي مشترك. لكن سرعان ما تبيّن أن ما جرى إعلانه لم يلامس الواقع، لا من ناحية الجدول الزمني ولا من حيث الإجراءات. وحتى اليوم، لم يتم تحديد موعد واضح للتنفيذ، ما يجعل الخطة في مهبّ الريح.
وقد علمت بيروت تايمز من مصادرها الخاصة أن الجهات اللبنانية المعنية باتت تشكك في مدى جدّية رام الله في الالتزام بالتعهدات، خصوصًا في ظل الانقسامات الفتحاوية الداخلية، والتململ الإقليمي من السياسات المتخبطة للسلطة الفلسطينية.
أزمة قيادة ومشروع وطني مهدد
يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القيادة الفلسطينية فرض رؤيتها السياسية في الشتات؟ الجواب، حتى اللحظة، لا يبدو مبشّرًا. فمع تصاعد التصدعات داخل "فتح"، وتآكل الثقة الشعبية، وفشل السلطة في تجديد خطابها السياسي، بات واضحًا أن الرِّهان على "الحلول الأمنية" وحدها هو خيار خاسر. ولعلّ ما تحتاجه رام الله اليوم، قبل أي خطة ميدانية، هو مراجعة شاملة لعلاقتها باللاجئين، وإعادة تعريف دورهم كجزء من المشروع الوطني، لا كأعباء سياسية وأمنية.
يبدو أن الأزمة التي فجّرها إعفاء السفير دبور قد تكون نقطة انطلاق لنقاش أوسع حول فشل المقاربة الرسمية الفلسطينية تجاه المخيمات اللبنانية، ما لم تبادر القيادة إلى استيعاب المتغيرات والتواصل مع القواعد الشعبية بلغة الشراكة لا الفرض. وهذا ما تنقله بوضوح تقارير وتحليلات "بيروت تايمز"، التي تواكب عن كثب تحولات الساحة الفلسطينية في لبنان.










07/10/2025 - 18:40 PM





Comments