الاجتياح الكاسح لرياح الخريف

10/23/2024 - 23:52 PM

Arab American Target

 

 

بقلم: مارون سامي عزّام

 

بدأت شُرطة الرّياح تَصفُر بقوَّة في أحياء مدينتي... تُحذّر العشّاق المنتظرين هبوب نسمات الاشتياق لفتياتهم، أن يُغلقوا نوافذ بيوتهم... ما زالت الرّياح تحوم حول منـازل الفتيات المحاصَرَة بسُخطها، مراقبةً لحظة إطلالتهنّ من خلف باب التَّأَمُّل، لتَعتَقل تسَكُّع نظراتِهن في شارع الحي، تريد تذكيرهن بأن هذا الوقت ليس للعواطف والهَيام.

ارتعدت أغصان الأشجار من سماع عواء الرّياح، فاجتاحتها لتعرّيـها من أوراقها، لكنّهـا بقيَت متمَسّكـةً بالأغصـان بكلِّ قوّتها كتَمسُّك الطفل بأمِّه، طالبةً مِنَ الرّياح أن ترحمَها قليلًا، لكنّها أبت، إلى أن تطايرت الأوراق مذعورة عن الأشجار. اشتدّت حِدّة الرّياح وصارت تُنكِّل بالأغصان بكل قوّتها لتلقِّنها درسًا لن تنساه بالمرَّة! محاولة كَسْرَها، لأنها لم تنصَع لتحذيرات عرّافي أحوال الطّقس!!

بدأت الرياح الشديدة تلاطم أيضًا أبواب منزل الفتاة، فهزّت بعنف زجاج نوافذها، فارتعبتْ كثيرًا، إذ حسبت أن البيت يسكنه الجن، أطلَّت من الشُّرفة، وانذهلت عندمـا رأت الريـاح تعصف بأغصـان الشَّجَر... تعبث بهـا كما تشاء، وكأنّها مروحيّة، فسألتها الفتاة: "لماذا عرَّيتِ الأغصان من أوراقها؟!، كيف تجرئين أن تودي بجمال الأزهار قبل أوانها؟"، أجابتها الرياح وهبوبها يشتد: "لقد طردتُ الصيف، لأني لم أعُد أحتمل شمسه الجائرة!!...".

لم تستطع الفتـاة الصمود أمام وحشية الزوبعة، وهمَّت بالرجوع إلى بيتها، لكن الرياح أمرتها بالنّزول حالًا إلى الحديقة، فرفضت الانصياع لأمرها في هذه الأحوال الجويّة. في هذه الأثناء كـان حبيبهـا يحمل ورقته لتلك الفتاة... لكنّها منعته الرّياح من الاقتراب من بيتها، فخطفتها منه عنوةً، وألقتها بين أوراق شجر الحديقة المتناثرة.

صفعت الرّياح الفتاة على وجههـا بعد رفضها الإذعان لها، وأمرتها بالنّزول حالًا إلى الحديقة، لم تعلَم أن حبيبها قد أرسل إليها رسالة قصيرة!، فلَمَحَتْ ورقة مختبئة بينها، التقطتها وفتحت طياتهـا، فوجدتْ مكتوبٌ فيها جملة واحدةً تقول: "كم أتمنّى لو تكونين حبيبتي".

طال جنون الرّياح أشجار الزّيتون، ارتعبت حبّات الزيتون من صفيرها الجنوني، ولم تقوَ على الصّمود في وجههـا، فسقط الكثير منهـا مفترشةً الأرض خائرَةً. لوَّحت أغصان شَجَر الزَّيتون للغيوم لتأتيها، لتروي ما تبقّى عليها من ثمار.

حجبت الغيوم نور الشّمس لبرهةٍ مِنَ الزّمن، لكنّ أشعّتَها كانت تُطلُّ من خلفهـا بين حين وآخــر، متـابعةً هجرة الطيور التي شدّت رحالها إلى أوطان الدّفء بعد أن لسعها البرد. في هذه الأثناء كان تعسُّف الرّياح يقودُ ببطءٍ قطيعَ الغيوم الرّماديّة والسّوداء المثقلة بمياه الأمطار.

تأثّرت الغيوم باستعطـاف أشجـار الزّيتون وراحت نحوهـا تترقرق، لترويَ ظمأَها، وغسلَت عنهـا الغبـار... استعدّ الناس للمَهَمَّة الموسميّة الإلزاميّة، فجاءوا مع عائلاتهم إلى كرومهم ليجنوا موسم الزّيتون بفرحٍ عارم، مجهَّزين بلوازم القطاف. فرشوا الكبار والصغار فِراش الاستمتاع الجماعي تحت ظلال التاريخ، ملتقطةً أياديهم حبّات الزيتون، وهُم يُطلِقون صيحات سعادتهم بهذا التقليد العريق المتجدّد، وهُم يُعبِّئونها في أكياس تعبهم، وهُم مجتمعون على أرض رزقهم الثّمينة.

أخذ أصحاب الكـروم أكيـاسهم إلى معصرة الخير منتظـرين مجيء دورهم... إلى أن أزف، أُفْرِغَت أكياسهم في فوهة المعصرة، وخلال لحظات بدأ زخم الزّيت يسيل، وامتلأت دنـانهم بـالزيت المبارك، مردّدين قولهم المعهود: "عشنا وذُقْنا خير السّنة والحمد لله".

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment