د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب*
لا شك يمتد تأثير الانتخابات الأميركية إلى مختلف أنحاء العالم، خصوصًا يمتد تأثيرها على منطقة الشرق الأوسط المتوتر باعتبارها دولة ذات تأثير على أحداث الشرق الأوسط الساخنة، فكل منهما له قوة جذب على الآخر، ونادرا ما تكون السياسة الخارجية مهمة كثيرا في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويعتبر هذا العام استثناء، فاندلاع حرب مع إيران، قد يكون لها تأثير كبير على المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، خصوصا تحدي الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الواضح للجهود التي تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، أدى إلى تنفير الكثير من الديمقراطيين التقدميين وفق صحيفة الغارديان، وتواجه كامالا هاريس معركة صعبة في ولاية ميشغان موطن جالية عربية – أميركية كبيرة، وقد تكون هذه بمثابة مفاجأة أكتوبر القاتلة في هذه الانتخابات خصوصا إذا ارتفعت أسعار النفط.
رغم ان الحكومة العميقة تنظر إلى قضايا الشرق الأوسط بصرف النظر عمن يسكن البيت الأبيض ضمن إطار أوسع، فكما كانت عقيدة أيزنهاور 1954- 1961 التي كانت تركز على مكافحة النفوذ السوفياتي، وتدخلت في لبنان عام 1958 تحت ذريعة التهديد السوفياتي للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، وإن اختلفت الاستراتيجيات الأمريكية، ففي عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر خسر الانتخابات رغم أنه كان مهندس كامب ديفيد 1978، لكنه خسرها بسبب أزمة الرهائن في إيران وأيضا خسر الانتخابات جورج بوش الأب الذي أخرج صدام حسين من الكويت عام 1991 لصالح كلينتون بسبب الاقتصاد الأمريكي، وحتى ترمب خسر الانتخابات، رغم أن أداؤه في السياسة الخارجية كان قويًا وفي صالح الولايات المتحدة مثله مثل بوش الأب الذي ضمن تدفق النفط العالمي، على عكسهم بوش الإبن الذي لعب على وتر هجمات 11 سبتمبر وقاد الحرب على الإرهاب، فيما أوباما ابتعد عن سياسات سلفه بوش الإبن واتخذ أوباما سياسات وسط بين بوش الإبن وترامب الذي زاد من التوترات في المنطقة بسبب ترويجه لصفقة القرن ونقل السفارة إلى القدس التي عارضها العرب عندها لجأ الملك سلمان إلى تسمية القمة العربية في الظهران بقمة القدس.
تبقى الأهداف الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ثابته على رأسها أمن إسرائيل، والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة من الاستحواذ عليها من قبل دول صاعدة مثل الصين، أحد السيناريوهات هو أن تفوز كامالا هاريس وتواصل سياسات جو بايدن بما يتماشى مع جناح أكثر تقدمية في الحزب الديمقراطي، على عكس ترمب التي تعول عليه إسرائيل على وصوله الذي نقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وفي 2019 اعترفت إدارته بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان التي ضمتها، وأمل نتنياهو في تحقيق هدفه الاستراتيجي الطويل الأمد تجنيد الولايات المتحدة لشن هجوم حاسم على البرنامج النووي الإيراني.
بينما في عهده ترمب لجأ إلى الانسحاب الآحادي الذي وقعته الدول 5+1 في 2015 ووضع عقوبات مشددة جدا على إيران ليعيق عمل البرنامج النووي بدلا من الهجوم الذي يسعى له نتنياهو، خصوصا وأن ترمب ألغى ضربة صاروخية على إيران في 2019 مقابل إسقاط إيران طائرة أمريكية بدون طيار، لكنه أعطى الضوء الأخضر لاغتيال قائد الحرس الثوري قاسم سليماني في يناير 2020 هو وقائد الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، حيث يسير ترمب على نهج ترومان في انتخابات 1948 عندما اعترف بدولة إسرائيل قاد إلى فوزه على المرشح الجمهوري توماس ديوي، ما مثل مفاجأة للكثير من المراقبين، كما يحرص ترمب يحرص الديمقراطيون أيضا على أصوات اليهود.
لذلك تنظر إسرائيل على ارتفاع أسعار النفط بعد ضربة تقوم بها لمصافي النفط الإيراني 1.7 مليون برميل يوميا على أنه فائدة للحملة الانتخابية للرئيس السابق دونالد ترمب، بحسب رويترز، لكن لدى الولايات المتحدة مستويات عالية من مخزونات النفط الخام ولدى دول أوبك احتياطيات ضخمة، رغم ذلك ترفض إدارة بايدن تدخل إسرائيل في التاثير على الانتخابات الرئاسية.
لكن تطورا دوليا آخر بعيدا عن أحداث الشرق الأوسط كان بمثابة عامل حسم في انتخابات 1968 بسبب التورط الأمريكي في حرب فيتنام من بين العوامل التي حسمت السباق الرئاسي لصالح الجمهوري ريتشارد نيكسون على حساب المرشح الديمقراطي هيوبرت همفري، كما أن فشل النسر الأمريكي نتيجة عاصفة رملية التي أمر بها الرئيس كارتر في أبريل 1980 قادت إلى تحطم الطائرات أسفر عن مقتل 8 جنود أميركيين، بعدما تحولت العلاقة بين الخميني وأمريكا من صداقة إلى توتر بسبب دخول الشاه إلى الأراضي الأميركية للعلاج، اقتحم طلاب إيرانيون مقر السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا العشرات من الموظفين والدبلوماسيين، حرمت كارتر من الفوز بولاية ثانية، رغم نجاحه في الوساطة بين إسرائيل ومصر بوصفها إحدى إنجازاته في الشرق الأوسط.
طبعا ليس فقط خسر كارتر بسبب تلك الأزمة، بل بسبب أيضا عنصر الاقتصاد الذي كان أيضا حاسما في خسارة كارتر، وليس فقط أزمة الرهائن التي كان لها تأثير ما لكن ليس تأثيرا رئيسيا، وكان استطلاع جرى في ذلك الوقت كانت نتيجته أن 53 في المائة يرون القضايا الاقتصادي هي أبرز ما كان يواجه البلاد، بينما 5 في المائة فقط يرون أن ما حدث في إيران له أهمية، وهذا ما حدث أيضا لجورج بوش الأب في 1992 الذي كان يعول على إنجازاته الخارجية لتأمين الفوز بولاية ثانية إذ مثلت نهاية حقبة الحرب الباردة، بجانب خروج الولايات المتحدة منتصرة في حرب الخليج الثانية ضد العراق، فالبعد الاقتصادي له أهمية حاسمة في الحملات الانتخابية على حساب القضايا الأخرى.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى











10/20/2024 - 09:06 AM





Comments