الصدمات السياسية والصحة النفسية!

10/20/2024 - 08:25 AM

A

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

احتفل العالم منذ أيام بيوم الصحة النفسية في العاشر من أكتوبر، وتبدو البشرية في حاجة أكبر هذا العام -وربما أكثر من أي وقت مضى- للتوقف عند المشكلات النفسية الناجمة عن كم الإبادة والخراب الذي تسببت فيه الحروب والنزاعات، خاصة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني طيلة العام الماضي وحتى الآن وما يواجهه اللبنانيون اليوم.

ولعل التعرض للخبرة الصادمة الناتجة عن مشاهدة القتل وصور الدمار في وسائل الإعلام لها عِلاقة وطيدة بأعراض الاضطرابات النفس-جسمية لدى الكثيرين من ضحايا الصراعات والمشاهدين المتابعين للقتل والتدمير والعاجزين عن فعل أي شيء لإنهاء هذه المأساة الإنسانية.

وقد لخص فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي قديمًا حالة الإنسان العربي التعيس والبائس في شخصية حنظلة، الذي منذ خروجه من فلسطين عام 1948 وهو يتطلع عليها، "وعشان الناس دايرة ظهرها لفلسطين صار بيتهيأ لك إنه داير ظهره للناس".

وقدم ناجي العلي شخصيته للقارئ، قائلًا: "اسمي حنظلة. اسم أبوي: مش ضروري. أمي اسمها نكبة، وأختي اسمها فاطمة. نمرة رجلي: ما بعرف لإني دايما حافي. جنسيتي: أنا مش فلسطيني، مش كويتي، مش لبناني، مش مصري. محسوبك إنسان عربي وبس".

وسواء كانت المخاوف بشأن التوترات السياسية المشتعلة في المنطقة طيلة عقود أو حتى الحيف المستشري الذي يتجه كل يوم نحو الأسوأ، فإن الخوف والهلع تجاه المستقبل يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الصحة الجسدية والنفسية. ويتطلب معالجة القلق السياسي تطوير آليات التكيف للحد من التوتر ومنعه من التدخل في الحياة اليومية.

تلك مهمة صعبة بل شبه مستحيلة والسبب هو عدم قدرة الأشخاص تغيير ما يحدث حولهم، فالفعل في أيدي آخرين وهم لا يتخذون القرار المناسب ومن هنا يأتي العجز الممرض. وتشمل الحلول الصعبة لما يسمى التكيف الفعال عدم التعرض للمعلومات والأحداث السياسية بشكل دائم، خاصة قبل النوم، وتعزيز الروابط الاجتماعية الإيجابية للتخفيف من الآثار السلبية للضغوط السياسية.

ويُظهر علم النفس التحليلي أن تلقي الأخبار حول التقلبات والاضطرابات السياسية يمكن أن يضر بالصحة لكن المشاركة السياسية، على العكس من ذلك، يمكن أن تؤدي إلى قدر أكبر من التوازن. وهذا يعني أن المتعاطف سلبيًا مع الأحداث هو الأكثر تأثرا. وينعكس ذلك في شدة التوتر وتقلب المِزَاج وقلة النوم والوساوس. وأكثر التداعيات سوءا هي تلك الناتجة عما تثيره الأحداث من صراع بين المجموعات، أفراد الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل، وقد تخرب العلاقات الاجتماعية. وهذا ما يحدث واقعيا داخل الأسر العربية حيث يختلفون حول المقاومة وشرعيتها ورموزها وقد يؤدي الأمر إلى قطيعة مؤذية لجميع الأطراف.

في دراسة نشرتها مجلة العلوم الاجتماعية والطب، العدد 284 لسنة 2021، أشارت إلى أن الأشخاص الذين يختلفون سياسيًا عن المجموعات المحيطة بهم، أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب ويعانون من تدهور صحي على المدى المتوسط والبعيد. ويوضح العلماء على ضوء نتائج عدة استطلاعات رأي أن الشباب المنخرطين في السياسة أو ذوي الميول اليسارية يميلون إلى تجرِبة مستويات أعلى من القلق السياسي مقارنة بنظرائهم الأكبر سنا. هذا قد يقود إلى سلوكيات غير سوية لدى الشباب بالذات كالميل للإدمان وترك العمل وهجر الأسرة. وتتفاوت حسب الأفراد واستعدادهم للمرض النفسي؛ وهنا ينبغي تدخل الأخصائي أو المعالج النفسي للدعم والمساعدة.

والحقيقة أن الشكوى النفسية أو المرض النفسي وصمة عار في مجتمعاتنا وعادة لا يتحدث الأشخاص عن الأعراض النفسية التي يواجهونها، ويعتقدون أنهم قادرون على مواجهتها بأنفسهم. تصل نسبة انتشار الأمراض النفسية بين البالغين (18-64) إلى 12% وفقاً لدراسة أجرتها الأمانة العامة للصحة النفسية في مصر بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية. هذا يعني أن هناك حوالي 8 ملايين شخص على الأقل يعانون من مرض نفسي، منهم من يتم حجزه ومنهم من لا يحتاج سوى التردد على العيادات والمتابعة مع المعالج.

ويذكر أحدث مسح متوفر ويعود لعام 2018 أنّ نسب وأعداد المرضى ربما لا تتمتع بالدقة الكافية حيث أنها أقل من الواقع بسبب عدم إبلاغ الكثيرين عن أمراضهم النفسية لتلافي وصمة العار من المجتمع الذي مازال في حاجة ماسة للتوعية حتى يتقبّل أمراضه ويواجهها بالعلاج. وندركُ تماما أنه في حال توفّر الوعي الكافي بالمشكلة يزول نصفها، أما إذا ما تُركت فإنها بالتأكيد تتفاقمُ.

وقد لعب الأدب والفنون دورا في التوعية بالصحة النفسية في عقود سابقة، مثل النكبة والنكسة والانتفاضات. أبرز الأسماء في الستينات والسبعينات إحسان عبد القدوس الذي تحولت رواياته إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات، وغالبية شخصياته لم تكن قصصا للتسلية بل مادة للعلاج.

وقد نجحت في تغيير العديد من المفاهيم لدى العائلات حول الجو الصحي والمتوازن لأبنائهم. وما أحوجنا اليوم لهذا النوع الراقي من التوعية من خلال الفنون والآداب والرياضة، بعيدًا عن صراخ الشاشات ودوي المتفجرات!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment