لبنان في مواجهة الصمت الدولي والشلل السياسي: من غزة إلى بيروت، قمة روحية وتحديات خمس سنوات بعد الثورة

10/17/2024 - 08:30 AM

Bt adv

 

كريم حداد *

 

بعد مرور عام على اندلاع حرب “المشاغلة والمساندة” التي أطلقها حزب الله، وشهر من العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، والذي أسفر عن نزوح أكثر من مليون مواطن وسقوط العديد من الشهداء والجرحى، انعقدت قمة روحية تاريخية جمعت رؤساء الأديان الإسلامية والمسيحية في لبنان. كان الهدف من هذه القمة مواجهة التحديات المصيرية التي تهدد البلاد، وتوصلت إلى عدة قرارات محورية تهدف إلى إنهاء المجزرة الإنسانية المستمرة وتعزيز التماسك الوطني.

في بيانها الختامي، دعت القمة مجلس الأمن الدُّوَليّ إلى الانعقاد الفوري واتخاذ قرار حاسم بوقف إطلاق النار ووقف العدوان على لبنان. وأكدت القمة على ضرورة وحدة الصف اللبناني في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، داعية جميع الأطراف إلى التضحية من أجل الحفاظ على سيادة واستقلال لبنان.

كما طالبت القمة بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701 بشكل كامل، وتحديدًا تعزيز قدرات الجيش اللبناني ليتمكن من الدفاع عن البلاد وانتشاره في الجنوب وجميع المناطق اللبنانية. ودعت الحكومة اللبنانية إلى التعاون مع المجلس النيابي لتعبئة الجهود العربية والدولية لدعم لبنان في هذه المرحلة الحساسة.

وأكدت القمة على ضرورة تعزيز وحدة اللبنانيين وتضامنهم، والعودة إلى الشعب الواحد تحت مظلة الدولة اللبنانية، بما يضمن التمسك بالقرار الوطني وحماية السيادة والكرامة الوطنية والدعوة إلى انتخاب رئيس للجمهورية توافقي .كما قدمت القمة شكرها لجميع اللبنانيين على مبادراتهم الوطنية في إغاثة النازحين ودعمهم، مع التأكيد على ضرورة استضافة هؤلاء النازحين مع احترام حقوقهم وملكية الأفراد، ورفض أي تعدٍّ على ممتلكات المواطنين.

في ظل هذه الظروف الصعبة، يبدو أن الحل الأنسب والأقل تكلفة على الشعب اللبناني هو إعلان حياد لبنان وتبني قرار نهائي بوقف إطلاق النار، مع الالتزام بتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالبلاد. من المهم أن يدرك حزب الله أن تسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني ليس استسلاماً، بل هو خطوة نحو استعادة الدولة لسيادتها. السلاح الذي وعد بحماية لبنان، لم يجلب سوى الدمار وزجّ الشعب اللبناني في دوامة حروب مستمرة.

في هذا السياق، عبّر النائب أديب عبد المسيح، المقيم في الولايات المتحدة، عن تشاؤمه قائلاً: “لقد دخلنا في نفق مظلم، ودولتنا مسلوبة من حزب الله وعاجزة عن القيام بأي شيء”. وأضاف أن هناك رضا أمريكي ضمني عن تحركات إسرائيل، إلا أن الضغوط الدولية تحول دون تدمير البنية التحتية في لبنان أو تحويل الأزمة إلى حرب شاملة. كما دعا إلى ضرورة فتح البرلمان فوراً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، مشدداً على أن البرلمان هو الشرعية الوحيدة التي يمكن أن تجمع اللبنانيين.

من جهته، أشار النائب ملحم خلف، الذي يواصل اعتصامه في البرلمان منذ 636 يوماً، إلى أن القمة الروحية تمثل بصيص أمل في ظل الأفق المسدود الذي يهيمن على البلاد. وأثنى على حكمة القادة الروحيين في تجنيب لبنان مزيداً من المخاطر، مؤكداً أن اجتماعهم يعكس مدى استشعارهم للخطر الداهم نتيجة العدوان الإسرائيلي وتداعياته الكارثية على الشعب اللبناني.

ورغم هذه الجهود السياسية والروحية، لا يمكن التغاضي عن دور الحكومة اللبنانية التي التزمت الصمت إزاء إعلان “المساندة” ووافقت على ربط مصير لبنان بغزة، متسامحة مع تحويل البلاد إلى “ساحة صراع” و”حقل تجارب” جديد في المواجهة الإقليمية. هذه الحكومة، التي لم تتحضر لموجات النزوح الكبيرة ولم تستعد للتداعيات الكارثية، لا تملك الحق في وعظ اللبنانيين بشأن التضامن أو منع المدارس القادرة على العمل من فتح أبوابها. في ظل هذا الواقع المأساوي، يبقى مستقبل الأطفال اللبنانيين مهدداً.

وفي سياق النقاش حول العدوان الإسرائيلي، يتساءل اللبنانيون: لماذا عندما هاجمت إسرائيل غزة، انتفض العالم ووقف مع غزة رغم هجوم حماس الذي أسفر عن مقتل عدد من الإسرائيليين، بينما يصمت المجتمع الدولي تجاه الهجمات المتواصلة على لبنان؟ هذا التناقض يسلط الضوء على ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الأزمات الإقليمية.

على الصعيد السياسي الداخلي، ومع مرور خمس سنوات على اندلاع ثورة 17 تشرين التي حملت معها آمالاً كبيرة للتغيير، نجد أن الانقسامات السياسية الحادة داخل البرلمان بين الكتل التقليدية، قوى الممانعة، نواب المعارضة، والتغييريين الذين تحولوا إلى تكتلات صغيرة، قد أعاقت أي تقدم في تحقيق الإصلاحات المنشودة. ورغم دخول نواب التغيير إلى البرلمان بعد انتخابات 2022، لم يتمكنوا من إحداث الفارق المطلوب، وبقيت الأزمة السياسية تراوح مكانها. 

وما زاد الوضع تعقيداً هو عجز البرلمان عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية منذ  سنتين، مما فاقم من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد. في ظل هذا الفراغ الرئاسي والتعطيل المستمر، يبرز تساؤل ملح: كيف يمكن للنواب الاستمرار في التهرب من مسؤولياتهم الوطنية؟ ألا يعد هذا إخفاقاً في تحمل المسؤولية وإنقاذ البلاد؟

في الختام، ينتظر الشعب اللبناني من نوابه، بمختلف توجهاتهم السياسية، سواء كانوا من قوى الممانعة أو المعارضة أو التغيير، أن يتحملوا مسؤولياتهم لإنقاذ البلاد من حافَة الانهيار، واضعين مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، قبل فوات الأوان.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment