كريم حداد *
في ظل المشهد السياسي المعقد الذي يعيشه لبنان، تتضح معالم ازدواجية المعايير التي يعتمدها محور الممانعة في البلاد. فقد تم الترويج لتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته، بينما يتم تخوين من يطالب بتنفيذ القرار 1559، رغم أن القرارين مترابطان في نصوصهما، حيث يشمل القرار 1701 التزام لبنان بتطبيق القرارات الدولية بما فيها 1559، الذي ينص على نزع سلاح الميليشيات. هذا التلاعب السياسي يهدف إلى تضليل الرأي العام اللبناني، وجعل الحزب يستمر في فرض أجنداته على حساب مصلحة الوطن.
إن اعتماد محور الممانعة على التخوين الممنهج لكل من يطالب بتطبيق القرار 1559، يعكس ثقافة سياسية موروثة من زمن الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، والتي كانت تعتمد على التخوين لإسكات المعارضة. هذه السياسة لم تعد مقبولة في لبنان الذي يمر بأزمة وجودية تتطلب حوارًا وطنيًا حقيقيًا بدلاً من استغلال التوترات لأهداف حزبية ضيقة.
لبنان يجد نفسه اليوم بين احتلال إسرائيلي يستهدف الأطفال والمدنيين في لبنان وغزة، وبين النفوذ الإيراني الذي يستخدم لبنان كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية. هذه الاستراتيجية ليست في مصلحة لبنان، بل تعمق انقسامه وتزيد من معاناته. في هذا السياق، يبقى المواطن اللبناني هو الضحية الأولى، حيث يتحمل نتائج هذا الصراع الإقليمي الذي يستنزف موارده ويهدد استقراره.
على الجانب الآخر، جاء التصعيد الإسرائيلي نتيجة سلسلة من الأحداث التي بدأت منذ عام، حينما فُتحت جبهة جنوب لبنان في إطار عمليات “المشاغلة” ضد الجيش الإسرائيلي. اليوم، تتضح معالم صراع مزدوج: حرب تقليدية في الجنوب، وحرب سرية تستهدف قادة حزب الله. ورغم التزام القانون الدولي بحماية المدنيين، فإن القصف المتبادل لم يترك أي مكان آمن، حيث تصر إسرائيل على مواصلة قصف مواقع الحزب، فيما يعتمد حزب الله على التفوق البري ونصب الكمائن لتعويض التفوق الجوي الإسرائيلي.
تصريحات نعيم قاسم: ضبابية الموقف
في خضم هذه التطورات، جاء خطاب نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ليعكس غموضًا حول نوايا الحزب. فرغم إشارته إلى إمكانية وقف إطلاق النار، لم يوضح ما إذا كان هذا الموقف يشمل فصل مسار غزة عن لبنان. كما حرص قاسم على توجيه الشكر للبنانيين لاستضافتهم النازحين، مع تحذير ضمني من ضرورة احترام هؤلاء القوانين المحلية وعدم توريط المناطق التي يلجؤون إليها، كما حدث في حادثة أيطو، حيث استُضاف قادة من الحزب ما أدى إلى تصعيد خطير.
على الصعيد الميداني، يؤكد حزب الله أن الصراع لن ينتهي قريبًا، معتبرًا أن الحرب ستكون طويلة، وأنه لن يخضع لأي ضغوط دولية، خاصة في ظل التحضيرات الإسرائيلية لضربة محتملة ضد إيران. الحزب يبدو واثقًا من قدرته على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل، مثلما حدث في استهداف قاعدة بنيامينا، ويراهن على التسبب بأكبر عدد من الخسائر لدفع إسرائيل إلى التراجع والتفاوض بشروط أقل تشددًا.
في ظل هذا التصعيد، تزداد الضغوط الدولية على الحكومة اللبنانية لتنفيذ القرارات الدولية، خاصة تلك المتعلقة بنزع سلاح حزب الله. لبنان اليوم على مفترق طرق؛ إما أن يسعى إلى استعادة سيادته واتخاذ خطوات جريئة لحماية مصالحه الوطنية، أو أن يستمر في التورط في نزاعات إقليمية ستقوده إلى الانهيار الكامل.
مع استمرار حزب الله في التصعيد ورفضه لأي تسويات، يبدو أن لبنان أمام مستقبل غامض. الرهان على التصعيد العسكري قد يؤدي إلى المزيد من الدمار والخراب، في حين أن الحلول السياسية تتطلب توافقًا داخليًا وإرادة دولية لوقف النزاع. لبنان بحاجة إلى قيادة قوية ومستقلة قادرة على اتخاذ قرارات جريئة لإنقاذه من المأزق الحالي، وإلا فإن الأزمات ستستمر في التفاقم حتى تفقد البلاد قدرتها على الصمود.
* كاتب صحفي ومحلل سياسي من لبتان











10/16/2024 - 10:26 AM





Comments