الإعلام اللبناني بين مطرقة حزب الله وسندان الحرية: معركة الحقيقة في ظل التصعيد والحرب

10/12/2024 - 08:44 AM

A

 

 

 

كريم حداد *

 

الساحة اللبنانية تشهد توترًا متصاعدًا على كافة الأصعدة، ولا سيما في ما يتعلق بدور الإعلام في تغطية الحرب المستمرة مع إسرائيل، التي يقودها “حزب الله”. بيان محمد عفيف، مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب، يعكس موقفًا صارمًا تجاه وسائل الإعلام التي لا تلتزم بروايته أو تنتقد خياراته العسكرية والسياسية. هذا الموقف لا يقتصر على الانتقاد، بل يمتد إلى تهديد مباشر للصحفيين والإعلاميين الذين يحاولون نقل حقائق قد لا تصب في مصلحة الحزب، أو الذين يعارضون الحرب بشكل علني.

في هذا السياق، لا يتردد “حزب الله” في اتهام وسائل الإعلام التي تعيد نشر تهديدات إسرائيل أو تنقل أخبار الجيش الإسرائيلي بالتواطؤ مع العدو، معتبرًا أن تلك التقارير تساهم في الحرب النفسية التي تستهدف إضعاف المقاومة. ولم يسلم الحزب الحكومة اللبنانية من الانتقادات، إذ اعتبر أن عدم فرضها قيودًا على هذه الوسائل الإعلامية، تحت ذريعة حرية الصحافة، هو إهمال في دعم مشروع “المقاومة”.

على الجانب الآخر، يواصل الإعلام الموالي للحزب حضوره المكثف عبر الفضائيات والبرامج الحوارية، منذ بدء المعركة مع إسرائيل. المتحدثون الموالون يرددون بشكل مستمر رواية أن سلاح “حزب الله” هو جزء من الشرعية اللبنانية. إلا أن هذا الخطاب يتجاهل بشكل كامل المعاناة الإنسانية التي طالت أكثر من مليون نازح من الجنوب وضواحي بيروت، والدمار الكبير الذي لحق بالقرى اللبنانية نتيجة القصف الإسرائيلي.

ورغم الوعود المتكررة بأن الحزب قادر على تدمير إسرائيل في دقائق، لا تزال الحروب مستمرة دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، ما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. إلا أن الإعلام الموالي للحزب يواصل اتهام أي معارضة لهذا المسار بالخيانة والتآمر مع العدو، متجاهلًا حقيقة أن غالبية اللبنانيين لا يرغبون في الانجرار إلى صراع إقليمي لا يخدم مصالحهم.

على النقيض، يقف الإعلاميون المعارضون لهذه الحرب، محذرين من أن البلاد تتجه نحو مزيد من الدمار إذا استمرت الحرب. إلا أن هؤلاء الصحفيين يواجهون ضغوطًا وتهديدات مستمرة، سواء من أنصار الحزب أو حتى من زملائهم في الوسط الإعلامي الموالي. المناخ الإعلامي في لبنان بات متوترًا إلى حد كبير، حيث أصبحت أي محاولة لنقل حقائق مختلفة أو وجهات نظر معارضة تواجه بالتشويه أو التهديد بالعنف.

في إحدى النقاشات التلفزيونية الساخنة، حول تسليم “حزب الله” سلاحه إلى الجيش اللبناني، رأى المحلل السياسي إيلي خوري أن الحزب “ورّط لبنان في حرب أدت إلى مقتل وتشريد مئات الآلاف”، بينما رد عليه قاسم قصير، مؤيدًا موقف “حزب الله”، بأن الحكومة اللبنانية هي من سمحت للحزب بمواجهة إسرائيل. هذه النقاشات المتوترة تعكس الفجوة الكبيرة بين الأطراف السياسية والإعلامية في لبنان.

جدل آخر دار حول أزمة انتخاب رئيس للجمهورية، حيث ألقى الصحفي أسعد بشارة باللوم على “حزب الله” في تعطيل مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري لاختيار رئيس توافقي، بينما رأى المحلل السياسي رضوان عقيل أن المسؤولية تقع على جميع القوى السياسية وليس على الحزب وحده. هذا التباين في المواقف يعكس عمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، حيث تتقاذف الأطراف الاتهامات دون التوصل إلى حل.

المناخ الإعلامي في لبنان يبدو وكأنه انعكاس للوضع السياسي المتدهور، حيث لا يزال الانقسام والتوتر هو السائد. الإعلام الموالي لـ”حزب الله” يصر على تسويق الحرب باعتبارها خيارًا لا بديل عنه، بينما يواجه الإعلام المعارض الضغوط المتزايدة من أجل إسكات أصواته. في ظل هذا الانقسام، يبقى اللبنانيون يعانون من تداعيات الحرب دون أن تلوح في الأفق أي حلول سياسية أو عسكرية تخفف من معاناتهم.

الاختلافات الحادة بين الإعلاميين والسياسيين في لبنان حول دور “حزب الله” في الحرب مع إسرائيل، ومستقبل البلاد، تعكس حالة الفوضى والاضطراب التي تعيشها البلاد. ومع استمرار التصعيد العسكري، يبدو أن المعركة الإعلامية ستظل مستعرة، ما دام الحلول غائبة عن الساحة السياسية اللبنانية.

 

* كاتب صحفي ومحلل سياسي من لبنان

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment