كريم حداد *
يعيش لبنان اليوم في مأساة متعددة الأبعاد، تتراوح بين أزمات اقتصادية خانقة وصراعات سياسية وعسكرية لا تنتهي، مما جعل المواطنين اللبنانيين يشعرون بأنهم محاصرون بين مطرقة التدخلات الخارجية وسندان المغامرات الداخلية. فالمشهد السياسي الراهن لا يختلف كثيرًا عن مشاهد الحروب الماضية، وكأن البلاد محكومة بتكرار مآسيها.
في هذا السياق، تعالت الأصوات الداعية إلى وقف هذا الانحدار نحو المجهول، والدعوة إلى العودة إلى كنف الدولة والمؤسسات. ومن بين هذه الأصوات، برز موقف رئيس حزب الكتائب اللبنانية، سامي الجميّل، دعا إلى إنهاء ما وصفه بـ "حرب الإسناد" التي يخوضها حزب الله لدعم حماس، مؤكدًا أن هذه الحرب لا تخدم مصالح لبنان، بل تورطه في صراعات إقليمية لا عِلاقة له بها، وتتركه عرضة للانهيار الكامل.
رفض استمرار سلاح حزب الله خارج الدولة
الجميّل لم يتردد في انتقاد استمرار حزب الله في حمل السلاح خارج إطار الدولة، معتبرًا أن هذا السلاح، الذي يُفترض أنه للدفاع عن لبنان، بات يستخدم أداة لتحقيق أهداف أطراف إقليمية، على حساب أمن واستقرار الشعب اللبناني. وأشار إلى أن هذه السياسات المغامرة، التي جعلت من لبنان جبهة دعم لمصلحة أطراف خارجية، لم تجرّ على اللبنانيين سوى الدمار والمعاناة.
الجميّل دعا حزب الله إلى تسليم سلاحه للجيش اللبناني، والالتزام بالقرارات الدولية مثل القرارين 1701 و1559، مشددًا على أن الوقت قد حان لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة، بعيدًا عن أي وصاية خارجية. وأكد أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو العودة إلى كنف الدولة ومؤسساتها، وبناء لبنان على أسس جديدة تضمن استقراره وازدهاره.
في ظل استمرار التصعيد على الحدود الجنوبية، يظهر بوضوح أن الأطراف الإقليمية، سواء إيران أو إسرائيل، تتلاعب بلبنان كورقة تفاوضية، غير مكترثة بما يعانيه الشعب اللبناني من دمار ونزوح. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رفضه وقف إطلاق النار، بينما يصر حزب الله على عدم الانسحاب إلى حدود الليطاني، ما يعزز من احتمالات استمرار النزاع وتصعيده.
من جهة أخرى، يواصل حزب الله استعراض قوته في شوارع بيروت عبر كتيبة "الموتوسيكلات"، مطلقةً شعارات "الانتصار" الوهمية. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن الحزب يحاول التهدئة، يكشف الواقع عن استمراره في ممارسة سياسات الإنكار والتمسك بخطاب الاستعلاء، متجاهلًا الدعوات إلى التواضع والاعتراف بأن لبنان لا يريد الحرب، وإنما يريد السلام والاستقرار.
الجميّل حذر من أن الحزب يحاول تكرار النص السينمائي عام 2006، حيث يتم التسويق لوقف إطلاق النار، ثم الانقلاب على الاتفاق وإعلان "انتصار وهمي". ومع أن الشروط الحالية المطروحة في مفاوضات وقف إطلاق النار هي أقسى من العروض التي طُرحت سابقًا ورفضها الحزب، فإن محاولة ربط جبهة المساندة بوقف إطلاق النار في غزة لن تنطلي على اللبنانيين الذين ضاقوا ذرعًا بهذه الممارسات.
في ظل هذه الأوضاع المتأزمة، شدد الجميّل على أهمية الوحدة الداخلية، ووقف النزاعات المسلحة، والجلوس إلى طاولة الحوار لبناء لبنان على أسس جديدة، بعيدًا عن الانقسامات التي تزيد من معاناة الشعب. وأكد أن السبيل الوحيد لاستعادة لبنان من هذا المنزلق هو في العودة إلى حضن الدولة، والابتعاد عن التدخلات الخارجية التي تستخدم لبنان كورقة في لُعْبَة المصالح الإقليمية.
من جهة أخرى، لا تتردد الأطراف الخارجية، التي تدّعي دعم لبنان، في استخدام وضعه الحالي لتمرير رسائلها إلى المجتمع الدولي، بغض النظر عن تداعيات ذلك على الشعب اللبناني. ومع دخول الانتخابات الأميركية على الخط، يبدو أن توقيت هذه الأحداث لا يخدم مصلحة لبنان والمنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويجعل من الصعب توقع حل قريب للأزمة.
يبقى السؤال: إلى متى سيظل لبنان ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وإلى متى سيدفع الشعب اللبناني ثمن سياسات لا طائل منها؟ الأمل معقود على وعي الشعب اللبناني، الذي أثبت مرارًا وتكرارًا قدرته على النهوض من تحت الركام، ليثبت أن لبنان يستحق حياةً أفضل ومستقبلًا مشرقًا، بعيدًا عن حسابات القوى الخارجية والمغامرات العبثية.











09/27/2024 - 02:14 AM





Comments