|
|
كريم حداد
يعيش لبنان اليوم واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث يتفاقم المشهد السياسي والاقتصادي بالتزامن مع تصعيد عسكري غير محسوب العواقب. قرار "حزب الله" بالانخراط في مواجهة مباشرة مع إسرائيل جاء في وقت يعاني فيه البلد من انهيار مالي واقتصادي شامل، مما زاد من معاناة المواطن اللبناني الذي يكافح للبقاء في ظل انهيار شامل. هذا القرار، الذي اتخذ دون استشارة الحكومة اللبنانية أو البرلمان، ودون غطاء من الزعماء الدينيين أو دعم واضح من الدول الحليفة له، أثار تساؤلات كبيرة حول طبيعته وتوقيته، خاصة بعد تصريحات الرئيس الإيراني الأخيرة التي ألمحت إلى عدم دعم طهران لهذه الخطوة، مما يعزز الانطباع بأن "حزب الله" يتصرف بشكل منفرد، بعيدًا عن التفاهمات الإقليمية والدولية التقليدية.
هذا التصعيد الذي فُرض على اللبنانيين يأتي في وقت تعاني فيه البلاد من إفلاس مالي غير مسبوق، حيث فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها، فيما أصبحت المصارف عاجزة عن تلبية احتياجات المودعين، وارتفعت معدلات البطالة والهجرة الجماعية، في مشهد يُنذر بانفجار اجتماعي وشيك. هذه الظروف الاقتصادية الصعبة تجعل من الصعب على الشعب اللبناني تحمل تبعات حرب جديدة، خاصة وأن البلاد لم تتعافَ بعد من آثار انفجار مرفأ بيروت الذي دمر جزءًا كبيرًا من العاصمة وأسفر عن مقتل مئات وتشريد الآلاف.
مأساة الجنوب: نزوح جماعي وتدمير واسع
في الجنوب اللبناني، يعيش الأهالي مأساة جديدة مع تصاعد وتيرة القصف الإسرائيلي الذي استهدف مناطق سكنية وبنى تحتية، مما أدى إلى موجة نزوح جماعي للسكان. آلاف العائلات تركت منازلها ومزارعها، متوجهة إلى مناطق أكثر أمانًا، وسط ظروف إنسانية قاسية. أعلنت وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال أن اعداد كبيرة من المواطنين اضطروا إلى النزوح، واستقروا في 252 مدرسة فتحت أبوابها كمراكز إيواء. مشهد السيارات المكتظة بالحقائب والعائلات المرهقة يعيد إلى الأذهان مشاهد النزوح القسري الذي عرفه لبنان خلال الحرب ، حيث الأطفال خائفون والكبار يعانون من ويلات التهجير المتكرر.
في ظل غياب خطط واضحة لإدارة الأزمة أو تقديم المساعدات بشكل فعال، يجد النازحون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول. ورغم محاولات وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئة العليا للإغاثة تقديم الدعم الأولي، إلا أن حجم الأزمة يتجاوز إمكانيات الدولة، التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد والتجهيزات، وسط غياب شبه كامل لأي دعم دولي ملموس.
المجتمع الدولي: صمت على معاناة شعب
وسط هذا التصعيد، يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج، مكتفيًا بالدعوات المتكررة لضبط النفس، دون أن يُقدِم على خطوات عملية لوقف التدهور. الولايات المتحدة، من جهتها، حذرت عبر المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية، ساموئيل وربيرغ، من أي تصعيد جديد في المنطقة، مؤكدة أن واشنطن لا ترغب في رؤية مزيد من التوترات. لكن هذه الدعوات لم تُترجم إلى أفعال، حيث لا يبدو أن هناك ضغوطًا حقيقية على الأطراف المتنازعة لوقف القتال، مما يزيد من شعور اللبنانيين بالعزلة والتخلي عنهم في لحظة مفصلية.
وفي تطور لافت، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني الأخيرة على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك لتثير المزيد من التساؤلات. فقد وصف الحوثيين بأنهم "متطرفون يصعب السيطرة عليهم" نظرًا لتحكم اعتقاداتهم بهم، وأكد أن "حزب الله" لا يمكنه مواجهة إسرائيل بمفرده. كما وصف الأميركيين بأنهم "إخوة لنا"، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تسعى لتغيير صورتها أمام العالم أو تمارس "التقية" لتجاوز المرحلة الراهنة. هذه التصريحات غير المتوقعة تشير إلى أن إيران ربما تحاول النأي بنفسها عن التصعيد في لبنان، أو على الأقل تخفيف التوترات مع الغرب، في محاولة لإعادة صياغة دورها في المنطقة وسط تغيرات سياسية معقدة.
التواصل السياسي: محاولات لاحتواء الأزمة؟
على الصعيد السياسي، تشهد الساحة اللبنانية محاولات خجولة لاحتواء التصعيد. فقد أجرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية، النائب سامي الجميّل، اتصالاً برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، وليد جنبلاط، لمناقشة التطورات الخطيرة، حيث تم الاتفاق على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والتنسيق المستمر. هذه المبادرة، التي تلت اتصالات مماثلة أجراها الجميّل مع رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، تهدف إلى توحيد الموقف المسيحي واللبناني بشكل عام في مواجهة هذه المرحلة الدقيقة، لكنها تبقى خطوة صغيرة في طريق طويل وشاق نحو استعادة الثقة وإعادة بناء الدولة.
إلى جانب ذلك، فإن غياب أي تحرك حقيقي على مستوى البرلمان اللبناني، وانقسام الأحزاب السياسية حول كيفية مواجهة هذه الأزمة، يزيد من حالة الشلل السياسي التي تعاني منها البلاد منذ سنوات، خاصة مع استمرار الفراغ الرئاسي وغياب أي اتفاق على رئيس جديد للجمهورية.
مستقبل غامض ينتظر لبنان
في ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو مستقبل لبنان محفوفًا بالمخاطر. تصعيد عسكري لا مبرر له، أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة، ومجتمع دولي متخاذل، كلها عوامل تجعل من الصعب تصور مخرج قريب من هذه الأزمة. اللبنانيون الذين عانوا طويلاً من ويلات الحرب والفساد والفقر، يقولون بوضوح: "لا نريد الحرب"، لكنهم يجدون أنفسهم مجددًا في قلب صراع لا يد لهم فيه، يدفعون ثمنه من أرواحهم ومستقبلهم. فهل من أمل في وقف هذا النزيف المستمر، أم أن لبنان سيظل أسيرًا لقدر النزف والمعاناة بلا نهاية؟











09/26/2024 - 12:15 PM





Comments