الخداع باستخدام الدين!

09/23/2024 - 10:49 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

قضية "خديجة خالد" واتهامها للشيخ الصوفي صلاح التيجاني بالتحرش هي قضية متكررة في مجتمع يرتع فيه تجّار الدين، يستغلون الجهل وقلة الوعي لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية ويمارسون أمراضهم النفسية والجنسية تحت هذا الغطاء من التقديس، بحيث يعطيهم الدين حصانة يصعب معها كشف خداعهم بسهولة.

الشيخ المزعوم وصفه بيان الداخلية بأنه مفصول من الطريقة الصوفية، كما ذكرت مؤسسة تدافع عن قضايا المرأة أنها استقبلت شكاوى من ثلاث فتيات أخريات اتهمن نفس الشيخ بالتحرش الجنسي والإلكتروني، وقد طلبت الفتيات الدعم القانوني اللازم والتدخل لحمايتهن من تهديدات الشيخ وأتباعه. الجهل مستفحل في بعض الأوساط ويظهر جليا لدى أم خديجة التي تخلت عن ابنتها واعتبارها مريضة نفسية ودافعت في المقابل عن الشيخ المتحرش.

وخديجة مريضة بلا شك لكن بسبب الأضرار النفسية الناتجة عن التحرش. أما استغراب البعض من وجود شخصيات عامة بين أتباع هذا الشيخ وطريقته المزعومة فهؤلاء هم أدوات العمل، مثلهم مثل الدين، يستخدمهم الدجال ليكمل الوجاهة والصورة الذهنية حتى يمعن في خداع الناس لجمع تبرعات أكثر وتحقيق مكاسب أكبر.

وإذا كان هناك أي عذر للناس العاديين في تبعية شيخ أفّاق فلا يوجد مبرر واحد لكاتب أو مفكر أو فنان يجلس مع شيخ ويتحدث معه في تقديس، ويرد عليه الشيخ بنفس الغلو مشيرًا إلى "ضرورة حب المريد لشيخه حتى لا يشرك في حبه أحدا"؛ هذه الكلمات جاءت على لسان التيجاني حرفيا في فيديو واسع الانتشار، مضيفًا أن "المريد يجب أن يعتبر نظره إلى الشيخ أكبر عبادة"، على حد وصفه.

كيف ينخدع مثقف من صفوة المجتمع بدجّال ويطلق عليه ألقابا مثل سماحة الشيخ العلامة والمجدد والمحدث وغيرها؟! الحقيقة أن بعض الفيديوهات المتداولة أكبر دليل على النصب والاحتيال الذي يمارسه هذا المدعو التيجاني وانقياد مثقفين له، ولا تحتاج الإدانة دليلًا آخر. إن مظاهر التديّن المزعوم لا ينبغي أن تنطلي على مثقفين يُفترض فيهم التسلح بالوعي!

مسلسل الشيوخ تجار الدين متكرر في حياة المجتمع، وسبق كشفهم في فضائح مدوية، منها قضايا توظيف الأموال وقضايا النصب والاحتيال من طرف من أطلقت عليهم الصِّحافة "المستريحين"، إضافة إلى قضايا معسكرات تدريب الشباب وتسفيرهم للحرب في أفغانستان وكينيا والعراق وسوريا وغيرها من مناطق النزاع.

إن مظاهر التدين المزعوم التي تبدأ بحلقات تحفيظ القرآن والدروس الدينية وارتداء ملابس معينة كالجلباب وحمل السّبح لا تعكس بالضرورة جوهر التدين والصلاح والأخلاق الحميدة بل تستخدم من تلك الجماعات لتحقيق أهدافها وتبدأ بـ "الولاء والبراء" وتنتهي بالبيعة والطاعة للشيخ وتقبيل يده وتقديسه، وصولا إلى تنفيذ كل ما يطلبه، بما في ذلك من أهداف سياسية هدامة، ويسهل تحقيقها كلما زاد الجهل والأمية والتخلف، وأيضا فراغ الجيوب!

شاهدنا في عقود سابقة استغلال شيوخ وجماعات لغياب الدولة عن دورها في التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وسيطرتهم على مساجد وزوايا فتحوا داخلها عيادات وقدموا خدمات مثل الحضانات والدروس الخصوصية وتحفيظ القرآن والاستشفاء المجاني، وبثوا في الأثناء رسائلهم الأيديولوجية والسياسية الغارقة في التعصب ومسحوا أدمغة أجيال صغيرة أصبحوا للأسف خلال بضع سنوات قنابل موقوتة تنفجر في وجه المجتمع وانضموا للقاعدة ومشتقاتها. كما استخدمت المساجد والزوايا في الانتخابات حيث كان الحصول على أصوات المترددين لنيل تلك الخِدْمَات أمرا سهلا بعد زرع الولاء في نفوسهم دون تفكير.

ولا أرى فرقا جوهريا بين خطر بعض شيوخ الطرق الدينية والمشعوذين والجماعات المتطرفة؛ جميعهم يستخدمون الدين لتحقيق أهدافهم وينزعون من العقول أسس التفكير النقدي فيربطون الظواهر بغير أسبابها، ويقدمون في المقابل تفسيرات بعيدة عن العلم وموغلة في الخرافة بما يؤدي إلى تكوين أجيال ماضوية متزمتة تطيع الشيخ وتسلمه أمورها، وتلجأ إليه وقت أزماتها لنيل البركة والاستقواء بالأحجبة ودفع الأموال الباهظة مقابل السحر والأعمال.

وقد وجد المخرّبون بيئة خصبة من الجهل وانتشار الأسطورة والاكتئاب نتيجة الهزائم السياسية طيلة عقود من القرن الماضي. وقد استمر نشاطهم مع زيادة التسطيح لمناهج العلوم الإنسانية في المقررات التعليمية بحذف الكثير من المحتوى النقدي من مادة الفلسفة سواء في المدارس الثانوية أو الكليات لمواجهة المد العقلاني المتنامي آنذاك.

وغير غائب على الأذهان كيف ساهم تمكين "المتألمين" ورافعي شعار الدين خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من مقدرات المجتمع وعقوله الشابة؛ كان الهدف موازنة التيارات اليسارية التي علا صوتها وزاد حضورها داخل اتحادات العمال والطلبة وفي المنابر الثقافية والجامعية والمراكز البحثية.

كان احتضان الجماعات والفرق المتطرفة باسم الدين وتمكينها من مؤسسات أهلية وزوايا وتسللها لداخل مفاصل الأسرة التربوية خير سلاح لمحاربة العَلمانية والتيارات السياسية المعارضة للحكم.

كلنا يتذكر هوجة شرائط الكاسيت لشيوخ على اختلاف اتجاهاتهم ومللهم، اعتلوا المنابر وسيطروا على بعض المساجد ونظموا حلقات للترويج لأفكار هدامة وزرعوا الفكر القائم على تقديس الماضي ونشر الخرافات التي ترسّخ الخضوع والخنوع وعدم استخدام العقل، خاصة أن التفكير النقدي قد يدفع أصحابه إلى المطالبة بالتغيير والتطوير وقد يقود إلى التمرد والعصيان.

هذا ما حدث خلال عقود، في غالبية المجتمعات العربية وليس في مصر فقط، ومازالت تداعياته السلبية تؤذي المجتمع فنرى أجيالا ترتبط بالماضي وترتبك أمام أزمات الحاضر وغموض المستقبل؛ بل انها غير قادرة حتى على حل مشاكلها داخل الأسرة أو في محيط العمل، وتبحث على الدوام عن البطل الأسطوري الملاذ والشيخ "الخارق" المُخلّص القادر على حل تلك المشكلات بالنيابة عنها وبدعوى استخدام القوى الغيبية والسحر والشعوذة.

ولا أظن أن هناك إصلاحًا اجتماعيًا ضروريًا وعاجلا الآن أهم من هذا. فمتى نستفيق؟!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment