تصعيد إقليمي: لبنان بين غارات إسرائيلية ودعوات دبلوماسية فرنسية

09/20/2024 - 09:50 AM

Bt adv

 

 

كريم حداد *

 

يشهد لبنان تصاعدًا خطيرًا في التوترات مع استمرار الغارات الإسرائيلية العنيفة على مواقع تابعة لحزب الله، وذلك عقب تصريحات للأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله. استهدفت إسرائيل نحو 70 موقعًا في الجَنُوب اللبناني، بما في ذلك مناطق المحمودية وأطراف العيشية وبلدة القطراني ومحيط نهر الليطاني، حيث وصف شهود عيان الهجمات بأنها "جعلت الجبال تتبخر"، في إشارة إلى حجم الدمار الكبير.

بالمقابل، استمر حزب الله في ردوده الصاروخية، حيث أعلن في بيان عن قصف مقر قيادة الكتيبة الإسرائيلية في ثُكْنَة ليمان واستهداف موقع المطلة، مما أدى إلى اندلاع حرائق في شمال إسرائيل. الوضع المتوتر ينبئ بمزيد من التصعيد، وَسَط قلق دُوَليّ متزايد من احتمال تفاقم الأزمة. 

 

خطاب نصر الله وتصعيد الهجمات على أجهزة الاتصال

في خطاب متلفز، أدان الأمين العام لحزب الله التفجيرات التي نفذتها إسرائيل ضد أجهزة الاتصال "بايجر" و"اللاسلكي" التابعة للحزب، ووصفها بأنها "عدوان غير مسبوق" يستهدف المدنيين والبنية التحتية بشكل مباشر. نصر الله اعتبر هذه الهجمات "مجزرة كبرى" و"إبادة جماعية"، مشيرًا إلى أن تفجير الأجهزة تم في مواقع حيوية مثل المستشفيات والأسواق، مما أسفر عن مقتل 37 شخصًا وإصابة نحو 3000 آخرين، وفقًا لوزارة الصحة اللبنانية. وأكد نصر الله أن الرد على هذه الهجمات قادم، لكنه لم يفصح عن تفاصيله، مما يزيد من حالة الترقب.

 

 ماكرون: دعم دولي ودعوة للتهدئة

في ظل هذه التطورات المتسارعة، وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الخميس رسالة مصورة إلى الشعب اللبناني، عبّر فيها عن تضامن فرنسا الكامل مع لبنان. وقال ماكرون: "نقف إلى جانبكم في هذا الارتباك والحزن"، مشددًا على ضرورة اللجوء إلى المسار الدبلوماسي للخروج من الأزمة. وأكد الرئيس الفرنسي أن "الحرب ليست حتمية" وأن الحلول السلمية ما زالت ممكنة، داعيًا الجميع إلى التهدئة، إذ "لا أحد لديه مصلحة في التصعيد".

ماكرون أعرب عن قلقه العميق حيال الوضع الأمني المتدهور في لبنان والمنطقة، مشيرًا إلى أن الانفجارات التي استهدفت أجهزة الاتصال التابعة لحزب الله قد تؤدي إلى تداعيات كارثية إذا لم تتم السيطرة على التصعيد. واختتم كلمته بالتأكيد على التزام فرنسا بدعم لبنان، داعيًا المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لتفادي اندلاع حرب جديدة.

 

 ضربة أمنية لحزب الله: أكبر خرق منذ سنوات

إلى جانب الغارات الجوية، تلقى حزب الله ضربة أمنية كبيرة عندما استهدفت إسرائيل أجهزة الاتصال "البايجر" و"اللاسلكي"، مما أدى إلى وقوع مئات القتلى والجرحى. هذه العمليات تشكل أحد أكبر الخروقات الأمنية التي تعرض لها الحزب في السنوات الأخيرة، وتضعه في موقف معقد بين ضرورة الرد بسرعة والحرص على عدم الانجرار إلى حرب شاملة قد تكون مكلفة.

الهجمات الإسرائيلية الأخيرة جعلت حزب الله أمام خيارات معقدة. فمن جهة، يسعى الحزب إلى الرد على هذه الاعتداءات بطريقة تحافظ على صورته أمام جمهوره، ومن جهة أخرى، عليه تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون ما تسعى إليه إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. التأخر في الرد أو تنفيذه بصورة محدودة قد يضع الحزب في موقف حرج، خاصة في ظل هذا الخرق الأمني الكبير الذي أضعف موقفه أمام مؤيديه.

الارتباط بين جبهة لبنان وغزة: استراتيجية محفوفة بالمخاطر

أعلن حزب الله بوضوح أن فتح جبهة الجنوب يأتي كجزء من استراتيجيته لإلهاء إسرائيل عن غزة، مما يعزز الترابط بين النزاع في جنوب لبنان والأحداث الجارية في فلسطين. بينما يرى البعض أن هذا التحرك يشكل تحديًا لإسرائيل، يعتبر آخرون أن الدولة العبرية استغلت هذه الخطوة لشن ضربات أكثر عمقًا داخل لبنان، مما يزيد من تعقيد الموقف.

في ظل هذه التوترات، تتزايد التساؤلات حول غياب دور الدولة اللبنانية التي يفترض أن تكون المرجعية الوحيدة لحماية البلاد. الانقسامات الداخلية بين القوى السياسية وتزايد الاعتماد على التحالفات الخارجية جعلت الدولة غير قادرة على لعب دور فاعل في احتواء التصعيد أو حماية لبنان من الانزلاق إلى حرب شاملة.

يجد حزب الله نفسه أمام مفترق طرق حاسم، إذ يتعين عليه الموازنة بين رد قوي على الاعتداءات الإسرائيلية دون الوقوع في فخ التصعيد الشامل الذي قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد. في الوقت نفسه، تبقى الجهود الدولية، خصوصًا تلك التي تقودها فرنسا، محورية في محاولة إيجاد حلول دبلوماسية وتجنب انجرار المنطقة إلى حرب جديدة.

 

* كاتب ومحلل سياسي من لبنان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment