كريم حداد *
في ظل الحراك الدُّوَليّ المتسارع تجاه لبنان والمنطقة، تتزايد الإشارات على جهود إقليمية ودولية لحلحلة الأوضاع المتأزمة. زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان المرتقبة إلى لبنان تأتي ضمن هذا السياق، حيث يسعى إلى المساهمة في دفع المِلَفّ الرئاسي اللبناني نحو حلٍّ سياسي. في الوقت نفسه، يعزز اللقاء الخماسي المنعقد في قصر الصنوبر، والمتوقع استكماله في دارة السفير السعودي وليد البخاري، الاهتمام الدُّوَليّ، خصوصًا من الجانب السعودي، الذي يلعب دورًا محوريًا في المِلَفّ اللبناني.
الجهود التي تبذلها اللجنة الخماسية باتت تعتبر بمثابة آخر مظلة إقليمية ودولية قادرة على التأثير في الواقع اللبناني، وهي ضرورة في ظل استمرار الأزمات السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد. فاللجنة تعمل على الحفاظ على استقرار لبنان وتجنب انجراره نحو صراع داخلي أو إقليمي.
على الصعيد الإقليمي، يتصاعد التوتر في غزة والجنوب اللبناني، حيث تبدو المنطقة متأثرة بالانتخابات الأميركية المقبلة. إيران، التي حافظت على نوع من الحياد في الفترة السابقة، اتخذت قراراً واضحاً بالانخراط بشكل أعمق في دعم حلفائها الإقليميين، وهو ما بدا جليًا في العراق. أما في جبهة الشمال،فقد رفعت إسرائيل من مستوى تهديداتها تجاه لبنان، إلا أنها فوجئت برد غير متوقع من اليمن، ما يظهر التعقيد المستمر في المشهد الإقليمي.
في هذا الإطار، تتزامن عودة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين إلى المنطقة مع هذه التطورات، حيث تهدف جهوده إلى فصل التصعيد على جبهة لبنان عن الحرب في غزة. هوكشتاين، الذي يسعى إلى التوصل إلى تسوية توقف التصعيد الإسرائيلي، يأتي برسالة واضحة: الحرب الإقليمية تحمل مخاطر كبرى على إسرائيل. وبالتوازي مع ذلك، تواصل الولايات المتحدة التفاوض عبر القنوات الخلفية مع إيران للتهدئة، رغم استمرار الضغوط الأميركية على "حزب الله" ومحور الممانعة، ما تُرجم بفرض عقوبات إضافية على كيانات وشخصيات مقربة من هذا المحور.
بالنسبة للحدود اللبنانية الإسرائيلية، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود منخفضة للغاية، حسب ما أفادت هيئة البث الإسرائيلية. هذا الجمود لا يمنع التوتر المستمر، حيث شن "حزب الله" هجومًا جويًا على مقر عسكري إسرائيلي، بينما اخترقت مسيرة أجواء إسرائيلية دون اعتراض، مما يضيف مزيداً من التعقيد للمشهد الأمني.
في هذا السياق، من المتوقع أن يطرح هوكشتاين خلال زيارته العودة إلى قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل التصعيد الأخير، في محاولة لاحتواء التوتر على جبهة الجَنُوب اللبناني. ومع ذلك، تظل الجهود الأميركية محدودة في قدرتها على وقف التصعيد بشكل كامل، خصوصًا في ظل التوتر المستمر في غزة وعدم اتفاق الأطراف الإسرائيلية على توسيع الحرب. الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية، وتحديدًا بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى قدرة تل أبيب على التحكم في مسار التصعيد.
ختاماً، تبقى الديناميكيات السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة متقلبة وتستدعي مراقبة مستمرة، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في صياغة مستقبل الصراعات وتحديد المسارات المحتملة للتهدئة أو التصعيد.
*كاتب صحفي ومحلل سياسي من لبنان











09/16/2024 - 01:47 AM





Comments