اغتيال بشير الجميّل: بين أحكام القضاء وخطاب التخوين المتجدد

09/15/2024 - 09:49 AM

San diego

 

 

 

كريم حداد *

 

في 14 سبتمبر 1982، عاش لبنان لحظة مفصلية باغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، الذي كان رمزً المشروع بناء دولة قوية وسيادية. عملية الاغتيال التي نفذها حبيب الشرتوني، عبر تفجير استهدف مقر حزب الكتائب اللبنانية في منطقة الأشرفية، لم تكن مجرد جريمة سياسية عادية، بل كانت ضربة موجعة لأمل اللبنانيين في تحقيق الاستقرار وإنهاء الحرب الأهلية.

بشير الجميّل انتُخب بإجماع نواب من مختلف الطوائف في المجلس النيابي، وكان يمثل رؤية جديدة للبنان المستقل. اغتياله جاء في إطار سياسة تخوينية تستهدف كل من يسعى لتحقيق هذا المشروع الوطني.

حبيب الشرتوني، منفذ العملية، اعتُقل فور ارتكاب الجريمة، ولكن في العام 1990، وبعد دخول الجيش السوري إلى قصر بعبدا والسيطرة على مؤسسات الدولة، تم إطلاق سراحه، ومنذ ذلك الحين بقي فارًا من وجه العدالة.

في العام 2017، أصدر القضاء اللبناني حكمه النهائي بحق الشرتوني، محكومًا بالإعدام غيابيًا بتهمة اغتيال الرئيس بشير الجميّل. ومع ذلك، ورغم صدور الحكم، لا يزال الشرتوني طليقًا، وهو ما يعكس الصعوبات التي تواجهها الدولة اللبنانية في تحقيق العدالة في الجرائم السياسية.

مؤخرًا، أعاد النائب السابق نواف الموسوي إحياء خطاب التخوين الذي لطالما رافق اغتيال بشير الجميّل، حيث وصف اغتياله بأنه "واجب وطني"، وهدد بأن أي رئيس يُنتخب مثله "لن يعيش". هذه التصريحات الخطيرة تُظهر كيف يستمر بعض الأطراف في تبرير العنف السياسي وشرعنة الاغتيالات، مما يعمق الانقسام الداخلي ويهدد الاستقرار الوطني.

تصريحات الموسوي ليست فقط تبريرًا لاغتيال رئيس شرعي منتخب، بل محاولة لإعادة إنتاج نفس الخطاب التخويني الذي يضع كل من يخالف الأجندة السياسية لحزب الله تحت طائلة "الخيانة" أو"العمالة"، وهذا النوع من الخطاب يهدد أسس الدولة اللبنانية المبنية على التعددية والديمقراطية، ويكرس منطق السلاح والاغتيال كوسيلة لإسكات الخصوم.

اغتيال بشير الجميّل لم يكن فقط محاولة لإسكات صوت وطني، بل كان اغتيالًا لمشروع الدولة السيادية.

والآن، بعد مرور أكثر من 40 عامًا على تلك الجريمة، يعيد خطاب الموسوي تذكيرنا بأن التخوين والتهديد بالقتل لا يزالان أدوات تُستخدم في مواجهة أي مسعى لبناء دولة القانون والمؤسسات في لبنان.

 

* كاتب ومحلل سياسي من لبنان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment