كريم حداد *
أثار الخطاب الأخير لرئيس حزب القوات اللبنانية تفاعلًا إيجابيًا لدى التيار الوطني الحر، خصوصًا في ما يتعلق بالقضايا المحورية كالمقاومة وشهدائها، الحوار الوطني، العيش المشترك، ووحدة لبنان. ركز الخطاب على تجاوز الماضي وبناء مستقبل يجسد تطلعات مختلف المكونات اللبنانية، وهو ما لقيت رحيباً من التيار، خصوصًا في ما يتعلق بمسألة انتخابات رئاسة الجمهورية. يبدو أن طرح القوات اللبنانية يقترب من التوجهات التي يتبناها التيار لإنهاء الفراغ الرئاسي عبر توافق نيابي واسع.
في خطاب جماهيري أمام حشد من المعارضين، بعث رئيس القوات اللبنانية برسائل مباشرة إلى المعنيين، مؤكدًا أنه الممثل الأقوى للمسيحيين وللمعارضة. ودعا إلى التشاور بين الكتل النيابية بهدف التوصل إلى توافق حول مرشح رئاسي، مع الدعوة إلى عقد جلسات انتخابية متتالية ومفتوحة، سواء بالتوافق أو التنافس، للخروج من حالة الجمود السياسي. هذه الرؤية تنسجم مع استراتيجية التيار الوطني الحر التي تهدف إلى استعادة الاستقرار السياسي عبر انتخاب رئيس يتمتع بتأييد واسع.
الترحيب الذي أبداه التيار الوطني الحر تجاه خطاب القوات اللبنانية يشير إلى احتمال حدوث تقارب بين الطرفين في مِلَفّ الرئاسة. في ظل الأزمات المتفاقمة التي يواجهها لبنان، يبدو أن الطرفين يعترف بضرورة التوصل إلى تسوية تخرج البلاد من الفراغ الرئاسي وتجنبها المزيد من الانهيار الاقتصادي والسياسي.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تَرْجَمَة هذا التفاهم إلى اتفاق فعلي على أرض الواقع. هل نحن على أعتاب إعادة صياغة *اتفاق معراب* بصيغة جديدة؟ ربما يكون هذا التوافق السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، لكن العديد من العقبات لا تزال تعترض طريقه، لا سيما في ظل المعارضة القوية من بعض القوى السياسية.
في هذا الإطار، يبقى موقف حزب الكتائب اللبنانية حاسمًا. الكتائب، التي كانت الحزب الوحيد الذي عارض *اتفاق معراب* الذي أدى إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، لا تزل متمسكة بموقفها الرافض لأي توافقات سياسية قد تأتي على حساب المبادئ الوطنية. يعتقد الحزب أن مثل هذه الاتفاقات غالبًا ما تؤدي إلى تسويات تخدم مصالح فئوية ضيقة على حساب الاستقرار الوطني والسيادة اللبنانية. بناءً على هذا الموقف، يبقى الكتائب في صف المعارضة، مشددًا على أن أي تسوية رئاسية يجبأن تراعي مصلحة لبنان أولاً، وتستند إلى معايير سيادية بعيدة عن تأثيرات المحاور الإقليمية.
الكتائب، شأنها شأن القِوَى المعارضة الأخرى، تواصل التنسيق مع المجتمع الدولي، ولا سيما اللجنة الخماسية، لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة التي أدت إلى انتخاب رئيس لم يلبِ تطلعات الشعب اللبناني. يرفض الحزب أي توافق رئاسي قد يأتي على حساب سيادة الدولة، مؤكدًا ضرورة انتخاب رئيسي عبر عن طموحات الشعب اللبناني، وليس مصالح قوى إقليمية أو محلية ضيقة.
في خضم هذه التحركات، يبدو أن الساحة السياسية اللبنانية تشهد جهودًا جدية لحل الأزمة الرئاسية. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه المحاولات مرهوناً بقدرة الأطراف كافة – من القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، إلى الكتائب والمعارضة – على إيجاد تسوية ترتكز على مصلحة لبنان العليا. موقف حزب الكتائب سيظل محوريًا في هذا السياق، لا سيما مع إصراره على عدم تكرار أخطاء الماضي، مما يعقد المشهد السياسي ويضع عقبات أمام أي توافق محتمل.
* كاتب ومحلل سياسي من لبنان













09/03/2024 - 07:04 AM





Comments