ماذا قدم الحوثيين لأمريكا في صراعها مع الصين في البحر الأحمر؟

09/01/2024 - 23:48 PM

Prestige Jewelry

 

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

زار الرئيس الأميركي الرحل ريتشارد نيكسون بكين عام 1972 بعدما كانت الصين شريكة السوفيات في الحرب الباردة، بالطبع استثمرت الصين هذه الزيارة الأمريكية في الانفتاح على الغرب من خلال رؤية دينج شياو الذي صرح في 1970 من أن الشرق الأوسط لديه نفط، بينما الصين في المقابل لديها المعادن النادرة، وفي 1979 احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان ردا على دعم أمريكا الثورة الخمينية في إيران، وانشغلت الولايات المتحدة بمواجهة الاتحاد السوفيتي بقيادة حرب دينية في أفغانستان، لكن الصين عززت من انفتاحها على الغرب في نفس العام 1979والخروج من عباءة الدب الروسي.

بدأت الصين الصراع مع الولايات المتحدة قبل اربع سنوات عندما قاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حربا تجارية معها، فذكرت أهم صحيفة صينية عبارة ( لا تقل إننا لم نحذرك ) هذه العبارة التي لا تقلها الصين إلا عندما ينفذ صبرها، والتي لا تقال إلا عندما تصبح الصين في أزمة بعد صبر استراتيجي طويل، ففي عام 1962 قيلت عندما دخلت الصين في صراع على الحدود بينها وبين الهند، وقيلت عام 1979 عندما قامت بغزو الصين لفيتنام المدعومة سوفيتيا للرد على غزو فيتنام لكمبوديا واحتلالها عام 1978 الأمر الذي أنهى حكم نظام الخمير الحمر المدعوم من الصين ثم انسحبت، لكنها تركت 1.5 مليون جندي على الحدود الصينية السوفيتية، وذلك بعد تدهور العلاقات نتيجة للانقسام الصيني السوفياتي بين عامي 1956 و 1966 وهذا العامل لعبت عليه الولايات المتحدة في فصل التحالف بين الصين والسوفييت.

الولايات المتحدة منزعجة من سلاح المعادن النادرة الـ 17 عنصر الذي يمكن أن تستخدمه الصين، وتمتلك الصين أسلحة كثيرة، لكن لماذا ربع ترسانة العالم تتواجد في بحر الصين الجنوبي تتصارع فيه أكبر قوتين في العالم؟، لكنه بحر جزء من المحيط الهادئ، وبحر يطل على عدد من الدول والجزر المتنازع عليها.

عام 1993 أقدمت سفينة أمريكية على تفتيش سفينة صينية بحجة انها تحمل مواد نووية لإيران، وعام 1999 تعرضت سفارة بكين في بلغراد إلى قصف، في عام 2001 زاد التوتر بين الصين والولايات المتحدة، لكن آثرت الصين أن يكون الرد اقتصاديا، وفي عام 2008 اتهم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن الصين أنها تتعمد تخفيض عملتها لزيادة صادراتها، وفي عام 2010 في زمن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لم يكن هذه المرة اقتصاديًا بل عسكريًا ولأول مرة عند زيارة جنرالات أمريكيين إلى شمال أستراليا لغلق المنافذ البحرية أمام الصين.

في عام 2012 شملت الخطوة الأمريكية إلى إرسال مزيد من حاملات الطائرات إلى بحر الصين الجنوبي، ولم تتوقف الولايات المتحدة عند هذه الخطوات بل أنشأت 5 قواعد عسكرية في فيتنام وكوريا الجنوبية وتايلند، وفي 2018 مرت مدمرتين أمريكيتين بالقرب من الجزز المتنازع عليها.

بعدما أصبح بحر الصين الجنوبي منطقة ساخنة، فيما تعتبره الصين بحرًا صينيًا، ما دخل الولايات المتحدة البعيدة عن المنطقة فقط من أجل أن تدعم تايوان التي تعتبرها الصين جزء منها، بينما تعتبرها الولايات المتحدة بحسب القانون الدولي دولة مستقلة، فعندما لاحظت الولايات المتحدة منذ عام 2017 أن الصين أصدرت قانون النقل للدفاع الوطني الذي يجيز تحويل عبارات إلى سفن عسكرية قد تكون خطوة عملية لاحتلال تايوان التي هي بمثابة مخلب قط أمريكي في مواجهة التكنولوجيا الصينية، بل عن تايوان محمية أمريكية، وهو بمثابة وادي السيلكون الآسيوي، فشكلت أمريكا تحالف أوكوس كخطوة رادعة تقف أمام ضم الصين تايوان، فشكلت تحلفا بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا الذي يعيد ترتيب هيكل القوة في منطقة المحيط الهادئ.

كان الرد الصيني بحكم الأهمية الاستراتيجية لبحر الصين الجنوبي، وأحد أهم مرتكز لمشاريعها في توفير بدائل لتقطع الصين على واشنطن افتعال الحروب في بحر الصين الجنوبي، الذي يمر منه ثلث التجارة الدولية، 1- أهمها تفعيل طريق الحرير تحت مسمى الطريق والحزام الذي يربط 68 دولة في آسيا و أوربا وافريقيا بهدف ربط الصين بثلثي سكان العالم عبر طرق برية وسكك حديدية، وخطوط ملاحية، بعيدا عن الولايات المتحدة، 2- استحداث استراتيجية اللؤلؤ في استحداث سلسلة من موانئ لحماية خطوط تجارتها عبر طريق الحزام والطريق في 68 دولة، فأنشأت قاعدة عسكرية في جيبوتي في 2017، والاستحواذ على جيوان في باكستان في 2018، والاستحواذ على ميناء هام بان توبا في سيرلانكا عام 2019، 3 – إنشاء خطوط لنقل الغاز والنفط في تركمنستان عام 2009، وفي ميانمار في 2009، وخطوط نقل الغاز الروسي في عام 2019، 4- استراتيجية القدرة على اغراق حاملات الطائرات في البحر، 5 – إجراء سلسلة مناورات في البحر في 2021 ردا على أمريكا وحليفتها تايوان، فهي بمثابة كسر عظم بين الصين والولايات المتحدة.

المواجهة المعلنة في ولاية الأسكا الأميركية بين الجانبين لم تحدث طيلة عقدين من الزمن، يعتقد البعض أنها ترسم ملامح حرب باردة جديدة، لكن عندما يعلن بايدن أنه يقود تحالف الديمقراطيات مع أوربا والهند واليابان وكوريا الجنوبية، لكن هذا التحالف ليس صلبا، كما في زمن الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، فالدول الأوربية لا تصطف مع الولايات المتحدة في هذا التحالف، ولديها تعاون استثماري وتقني مع الصين.

انزعجت أمريكا من تصريح الرئيس الصيني عندما قال أن عصر النفوذ الأمريكي انتهى، وأن لا أحد يوقف صعود الصين، وأن تايوان ستعود سواء بالتفاوض أو بالقوة، من أجل ذلك سرعت الصين في بناء الترسانة العسكرية، وأعلنت أنها ستضاعف من سلاحها النووي، وبرهنت على أنها عندما أطلقت صاروخ لم تتمكن المظلة الأمريكية من اكتشافه، لأنه صاروخ يعتمد على الذكاء الصناعي، ما يعني أن الصين وصلت لمرحلة من التقدم في الذكاء الصناعي، وبعدما كانت الولايات المتحدة في الماضي الوحيدة القادرة على ضرب العمق الصيني، أصبحت الصين اليوم كذلك هي قادرة في الوصول إلى العمق الأمريكي.

ما يعني أن على الولايات المتحدة أن تتعايش مع التنافس الصيني، لأنها رأسمالية في اقتصادها، اشتراكية في نظامها، على عكس الاتحاد السوفيتي الذي كان اشتراكيا في نظامه وفي اقتصاده، فلم يتمكن من القدرة على التوسع في الإنتاج، وعلى الولايات المتحدة أن تقر بهذا الفارق الشاسع، فيما الصين تحولت إلى مارد اقتصادي، وتقني، وستتجاوز الولايات المتحدة في المستقبل، وغير قادرة على عزل الصين اقتصاديا.

تعمل الصين على تغيير قواعد اللعبة، وستدخل كثير من التعديلات على النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية يخدم مصالح دول محددة انتصرت في الحرب العالمية ولا يخدم مصالح الصين كقوة عظمى، خصوصا حينما تصبح الصين القوة الأولى في العالم عام 2028 وفق تنبؤ عدد من الاقتصاديين، ووفق النمو الاقتصادي في كلا البلدين، وهو ما جعل الولايات المتحدة تحاول وقف النمو الاقتصادي في الصين، لتؤخر تحقيق هذا التفوق الصيني في عام 2028، لكن أي صراع مسلح سيؤثر على اقتصاد الولايات المتحدة أكثر من تأثيره على اقتصاد الصين، خصوصا وأن هناك تجارب كثيرة فمنذ الأزمة الاقتصادية في عام 2008 استفادت الصين أكثر على حساب الغرب، وكذلك في الأزمة التجارية بين البلدين في عهد ترمب إذ تضرر المزارعون في الولايات المتحدة، وأدى إلى انخفاض الاستثمارات الصينية في 2019 من 46 مليار دولار إلى 29 مليار دولار، وتراجعت الاستحواذات بنسبة 90 في المائة داخل الولايات المتحدة من قبل الصين، فيما ارتفعت الاستثمارات الأمريكية في الصين بنحو 37 في المائة في نفس العام، خصوصا وأن حجم اقتصاد البلدين يمثلان أكثر من 40 في المائة في العالم فأي صراع عسكري سيؤثر على الاقتصاد العالمي.

لكي يثبت الصينيون عزمهم على مواجهة التهديد الأمريكي، فقد سجلت تايوان اختراق مائة وخمسين طائرة صينية المجال الجوي التايواني على مدى أربعة فقط اعتراضا على تسليح الولايات المتحدة بأسلحة أمريكية متطورة، وهو يمثل تراجعا أمريكيا عن تعهداتها السابقة بعدم مد تايوان بأي أسلحة، وكانت بكين راضية بموقف الغموض الاستراتيجي الذي كانت تتبعه الولايات المتحدة، ولم تقل أنها تدافع عن تايوان، لكن اليوم في عهد بايدن صرح من أن أمريكا تدافع عن تايوان.

لم يصل الطرفان في المحادثات الغير مباشرة في 15 نوفمبر 2021 إلى تعايش تنافسي لكن اتجه الطرفان نحو إدارة التنافس بدلا من إدارة الصراع؟، فاستنادا لنظرية الفخ للمؤرخ اليوناني ثيوديدس فإن الطرفان مدفوعان بالخوف لأنهما سيندفعان أكثر للتسلح، وقد يؤدي إلى مواجهة بينهما بالخطأ، الجميع فيها خاسر، لأن الرئيس الصيني يؤمن بنظرية القومية المغالية من أن تايوان جزء من الصين وستعود خلال عهده.

سلطت صحيفة الإندبندنت البريطانية في مقال نشرته بعنوان الشرق الأوسط على أعتاب عصر جديد، بالطبع هناك تحولات ومتغيرات دولية تفرض أن يستعيد الشرق الأوسط استقراره ونموه لمواجهة النفوذ الصيني حتى لا يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة مفرغة من القوى تصبح تحت الهيمنة الصينية، خصوصا بعدما تقلصت الميزة النسبية التي كانت تتمتع بها الصين، وهي رخص الأيدي العاملة، بينما اليوم أصبحت دولة متقدمة في كافة المجالات.

 وعندما تصبح منطقة الشرق الأوسط منطقة صاعدة عبر الشراكات الدولية الأمريكية والأوربية والروسية والصينية وهو ما يستلزم عدد من الترتيبات أهمها نزع السلاح النووي والصواريخ البالستية الإيرانية، وكذلك التعامل مع تركيا من أجل أن تتوقف عن الميل نحو الشرق، وأصبحت السعودية ودولة مصر دول فاعلة في استعادة الاستقرار والنمو إلى المنطقة.

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني من 1.19 تريليون دولار عام 2000 إلى 14.14 تريليون دولار عام 2019، ارتفع إلى نحو 17.8 تريليون دولار في 2023، فيما ارتفع الاقتصاد الأمريكي من 10 تريليون دولار عام 2000 إلى 21.44 تريليون دولار عام 2019، إلى نحو 27.36 تريليون دولار في 2023، أي أن الفارق بين عامي 2019 و2023 كان لصالح الولايات المتحدة وليس للصين،  مما يضعف تقارير إعلامية بأن الاقتصاد الصيني سيتفوق على الاقتصاد الأمريكي في عام 2029 من حيث الناتج المحلي الإجمالي بنحو 25.6 تريليون دولار مقابل 24.5 تريليون دولار لنظيره الأمريكي، وتمتلك الصين أكبر احتياطيات نقدية في العالم بنحو 3128 مليار دولار، وبلغ تدفق  الاستثمار الأجنبي  في النصف الأول من عام 2020 نحو 68 مليار دولار فيما نحو 60 مليار دولار في الولايات المتحدة، وإن كان نصيب الفرد لا تزال الفجوة كبيرة بين الصين والولايات المتحدة، ففي الولايات المتحدة يبلغ نصيب الفرد نحو 65.1 ألف دولار، فيما في الصين نحو 10 آلاف دولار.

وجدت الولايات المتحدة فرصة في استثمار هجمات الحوثي في البحر الأحمر بحجة دعم غزة، وتحاول تضخيم قوة الحوثيين لمواصلة ضرباتهم وردها على الحوثيين محدود جدا، حيث تغير السفن الصينية مسارها حول رأس الرجاء الصالح مما يضيف 10-14 يوما إضافيا للرحلات من آسيا إلى أوروبا، حيث تعتمد الصين على باب المندب الذي يربط القارة الآسيوية بأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يمر 12 في المائة من النفط المنقول بحرا و8 في المائة من الغاز الطبيعي ونسبة كبيرة من الحاويات عبر هذا الممر الضيق، ويتدفق ما يقدر بنحو 120 مليار دولار من الواردات الصينية و160 مليار دولار من الصادرات الصينية عبر مضيق باب المندب كل عام من إجمالي التجارة البحرية المقدرة بنحو 1.5 تريليون دولار يضع عبئا إضافيا على تجارة الصين التي تواجه بالفعل ضغوطا من التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين والانتقال التجاري المستمر بعيدا عن الصين، يمكن أعادة توجيه بعض التدفقات التجارية من شنغهاي إلى أوروبا عبر السكك الحديدية عبر روسيا.

كذلك فإن الحرب الروسية الأوكرانية أعاقت حرية انتقال التجارة الصينية إلى أوروبا الغربية عبر السكك الحديدية العابرة لسيبيريا، واتخذت بدائل عبر استخدام مسارات بديلة أطول عبر بحر قزوين، لكن هذه الطرق تفتقر إلى القدرة على تسهيل أحجام التجارة الرئيسية، فسفينة حاويات كبيرة تحمل أكثر من 23000 حاوية فإن قطار الشحن الدولي من الصين إلى أوروبا يتعامل عادة مع نحو 80 إلى 100 حاوية انخفضت أحجام النقل وارتفعت تكاليف النقل وانقطاع الأعمال بسبب تأخير التسليم حتى اضطرت المصانع في أوروبا إلى وقف عملياتها، والشركات الأكثر تضررا من التأخير هي تلك التي تعتمد على إدارة المخزون والتي تعمل على التوفيق بين الإنتاج وتسليم الإمدادات الحيوية، فمثلا أعلنت شركتا تسلا وفولفو للسيارات إيقاف الإنتاج في مصانع الإنتاج التابعة لهما في ألمانيا، وكذلك مصنع سوزوكي في المجر بسبب نقص المكونات الحيوية، مما نتج عنه انخفاض بنحو أكثر من 15 في المائة من الصادرات التي تغادر الموانئ الصينية، ما رفع من قدرة الولايات المتحدة التنافسية بالنسبة للصين ولأوروبا.

 لذلك تحرص الولايات المتحدة على تشجيع الحوثيين على مواصلة الهجمات، وتشحن عنترياتهم وأنهم قوة لا يستهان بها وأنهم بلد مقبرة الغزاة، ويخرج القادة العسكريون الأمريكيون عبر الإعلام يرددون بأن الجيش الأمريكي غير قادر على مواجهة الحوثيين، مما يجعلهم يلتقطون هذه الإشارات ويواصلون ضرباتهم من اجل أن توافق الولايات المتحدة لهم على حكم اليمن لكن القرار بيد السعودية ولا تستطيع الولايات المتحدة معارضة السعودية بسبب تقاطع المصالح، بالطبع يتم تقديم لهم سفن كطعم لضربها.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى بمكة

            [email protected]

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment