كريم حداد *
في ظل الانسداد السياسي والشلل المؤسساتي الذي يعيشه لبنان، بات من الواضح أن المعارضة البرلمانية لم تنجح في تأدية دورها كما يجب، إذ افتقدت إلى رؤية سياسية واضحة واستراتيجية متكاملة للتعامل مع الوضع الراهن. رغم تمثيلهم لجزء كبير من الشعب اللبناني، إلا أن النواب المعارضين ليتمكنوا من تقديم برنامَج سياسي محدد يلفت أنظار الداخل والخارج إلى قضيتهم، أو حتى يساهم في إعادة بناء لبنان بعد سنوات من الحروب والصراعات في المنطقة.
الواقع يشير إلى أن العالم اليوم يركّز على الدور الذي يلعبه "حزب الله" في لبنان، وليس على القوى المعارضة أو البديلة. وهذا ناتج عن غياب سردية سياسية قوية وجذابة لدى المعارضة التي تفتقر التنظيم واضح يظهر اهتمامًا حقيقيًا بمستقبل لبنان ككيان مستقل وذو سيادة. فشل المعارضة في تقديم هذا النوع من الطروحات يفسر غياب أي نتائج ملموسة خلال السنتين الماضيتين.
وفي الوقت الذي يجب أن يقوم النواب بواجباتهم الدستورية والوطنية، خصوصًا انتخاب رئيس جديد للجمهورية، نجدهم يتجاهلون مسؤولياتهم، غير آبهين بتدهور المؤسسات العامة أو بواجبهم تجاه الشعب اللبناني. هذا التقاعس يُعدّ خرقًا واضحًا للقوانين اللبنانية، بما في ذلك مواد قانون العقوبات التي تلزمهم بالقيام بواجباتهم الدستورية.
أمام هذا الواقع المرير، تتحمل القِوَى المجتمعية الحية – من نقابات مهن حرة، واتحادات عمال، وأصحاب عمل، وطلاب جامعات، ومثقفين، وصحافيين – مسؤولية التصدي لهذا الانهيار وتشكيل جبهة وطنية إنقاذية. هذه الجبهة يجب أن تهدف إلى تحرير لبنان من هيمنة القوى السياسية التقليدية التي دمرت مؤسسات الدولة وعرقلت انتخاب رئيس جديد وأبقت البلد في حالة من الفراغ الدستوري.
لذلك، على هذه القوى المجتمعية أن تتحرك بسرعة وفعالية، وأن ترفع الصوت عاليًا في وجه هذا الشلل السياسي الذي يهدد مستقبل لبنان. التحرك الجماعي والمستمر قد يكون السبيل الوحيد لإعادة الحياة إلى المؤسسات العامة وضمان انتظام الحياة السياسية. الضغط على الطبقة الحاكمة، التي أفسدت البلاد وهجّرت شبابه، أصبح ضرورة ملحة. وإن لم ينجح النواب في القيام بواجباتهم، فيجب حينها المطالبة بإسقاطهم.
الكرة الآن في ملعب القوى المجتمعية التي يجب أن تتوحد، تقاوم، وتطالب بإعادة لبنان إلى المسار الدستوري الصحيح، وإلا فإن الانحدار سيستمر حتى لا يبقى شيء من الدولة اللبنانية.
* كاتب ومحلل سياسي من لبنان













08/31/2024 - 10:54 AM





Comments