مخّ ثان للإنسان!

08/29/2024 - 09:33 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

تبيّن أن المثل الشعبي "أقصر طريق لقلب الرجل هو معدته" صحيح تمامًا؛ بل إن هذا المثل ينطبق على كل الناس ذكورا وإناثا. هذه ليست مزحة أو مبالغة بل نظرية أطلقها مايكل غيرشون، الأستاذ في جامعة كولومبيا، على الجهاز العصبي المعوي أو بتعبيره "المخ المعوي"، وهو المخ الثان لدى الإنسان.

وتعتمد نظريته على أن الجهاز العصبي المعوي (بالإنجليزية: Enteric nervous system)‏ هو جزء من الجهاز العصبي الذاتي والذي يتحكم بشكل مباشر بالسبيل الهضمي عند الفقاريات، ويقع في جدار السبيل الهضمي، بدءًا من المريء وانتهاءً بالشرج. وهناك 90% من الإشارات التي ينقلها العصب المبهم تسير من الأمعاء إلى الدماغ. وهذا يعني أن حالة الأمعاء تؤثر على مزاجنا وتفضيلاتنا وسلوكنا.

الجميع يعرف أن هرمون السعادة هو السيروتونين يفرزه جسم الانسان من المخِّ. لكنْ الحقيقة أن 5% فقط من السيروتونين يفرزها الدماغ، بينما 95% من السيروتونين مصدره المعدة. من هنا يمكن تفسير رغبة الإنسان في تناول أكل معين وكيف تدخل عليه السعادة، كما أن البكتريا الحميدة تحول مادة التريبتوفان إلى سيروتونين. وإذا أراد الإنسان تحسين مزاجه والحدّ من القلق والتوتر والنوم بشكل أفضل فلابد من البدء من الأمعاء ومن نوع الطعام.

ولعل أكثر شيء يضرُّ البكتريا المسؤولة عن إفراز وتحويل التريبتوفان إلى سيروتونين هي الأكلات السريعة أو ما يسمى (جانك فوود) أي (أكل النفايات). ولا يستبعد العلماء أن يكون هذا "المخ المعوي" هو المسؤول عن خلق ردود الأفعال والمشاعر الوجدانية مثل الفرح والحزن والتوتر واليأس والجوع والنهم والشبع والامتلاء وغيرها من الحالات.

وقد داومتُ خلال السنوات الماضية على متابعة البروفيسور فوكودو شين من مركز علوم الدماغ بجامعة توهوكو باليابان وهو أستاذ بها منذ 1988، وتخصص في الطب النَّفْسَجِسْمِيّ. ولديه العديد من المؤلفات العلمية الرائدة في متلازمة القولون العصبي. من بين مؤلفاته "الاتصال الغامض بين الدماغ والأمعاء". وكان فوكودو سبّاقًا لكشف هذا الارتباط وتوظيف الصلة بين الدماغ والأمعاء بما يعود بالنفع على صحة الإنسان. ولم يبدأ العلم إلا مؤخرًا في تسليط الضوء على الآليات الكامنة وراء هذا الارتباط.

يقول: "دأبت العلوم الطبية على النظر إلى الأمعاء -الجزء السفلي من الجهاز الهضمي-على أنه عضو هامشي يختصُّ بالمرحلة الأخيرة من الهضم وإخراج الفضلات. لكن كشف في أبحاثه أن هناك اتصالًا وثيقًا ثنائيَّ الاتجاه بين الدماغ والجهاز الهضمي، وخاصة الأمعاء". ويضيف: "أي شيء يعطل أو يشوه هذا الاتصال -من الإجهاد العاطفي إلى اختلال توازن البكتريا في الأمعاء-يمكن أن يقود إلى تنويعة من الاعتلالات الجسدية والنفسية". ويشير إلى العصب المبهم (الحائر)، وهو جزء من الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، ويعتبره الرابط الأكثر أهمية بين الأمعاء والدماغ. وتتركز أبحاث فوكودو على الكيفية التي يمكن من خلالها للضغط النفسي الاجتماعي أن يؤثر على نقل تلك الإشارات المعوية الدماغية.

إن أجسامنا عبارة عن مجتمع مترابط ومتفاعل من الخلايا البشرية والكائنات الحية الدقيقة. وقد سمح التقدم الهائل في مجال DNA للعلماء بتحديد كمية وتنوع الكائنات الحية التي تشكل الميكروبيوم البشري (إجمالي الكائنات الحية الدقيقة في الجسم) بشكل أفضل. يضم جسم إنسان بالغ متوسط الحجم أكثر من 100 تريليون ميكروب تمثل ما يقرب من 1000 نوع من البكتريا. ويوجد حوالي 90% من تلك الميكروبات في الخلايا والأغشية المخاطية للأمعاء. ويرث الرضيع ميكروبيوتا عن أمه عبر قناة الولادة ثم تزيد من خلال لبن الأم، وتواصل الأحياء الدقيقة المستوطنة في الأمعاء تنوعها حتى بلوغ الرضيع ثلاث سنوات، ويتم إفراز أكثر من 90% من مادة السيروتونين في الجسم في الأمعاء بمساعدة الميكروبات. وتتمكن مجموعة الميكروبات المعوية لدى الإنسان من خلال الإشارات المرسلة إلى الدماغ من التأثير على الأطعمة التي يرغب في تذوقها ومقدار ما يأكله. وتشير آخر الأبحاث إلى أنه عندما تتكاثر بكتريا مفيدة معينة في الأمعاء، فإن الدماغ ينتج المزيد من "هرمون السعادة". وبهذه الطريقة يمكن أن تؤثر مجموعة الميكروبات المعوية على العواطف والحساسية للألم وحتى السلوك الاجتماعي.

وللحفاظ على المخ (الأول والثاني) بصحة جيدة وهو ما يسمى بمحور الدماغ والأمعاء، يوصي فوكودو باتباع نظام غذائي غني بالألياف والخضر والفواكه الطازجة والأطعمة المخمّرة، ومنخفض من الكربوهيدرات وأكل النفايات المدمرة. وشدد على أهمية تناول وجبة فطور جيدة. ومع قرب بدء الدراسة يتغاضى التلاميذ عن تناول الفطور لتجنب دخول الحمام في المدارس وهذا يستدعي وعيا لدى الأهل والمدرسين حتى لا يشعر الأطفال بالحرج من تحرك أمعائهم!

ويجب الحرص على النوم الكافي وممارسة الرياضة بانتظام والحد من التوتر والفضفضة بدلا من الكتمان وترشيد استخدام المضادات الحيوية حتى لا تُخلّ بالتوازن الميكروبي الطبيعي للأمعاء. وهكذا يزداد الأمل بفضل التقدم الهائل في العلم في تحسين التفاعل بين الدماغ والأمعاء لتحسين المزاج والشعور بالسعادة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment