بقلم: يزيد الراشـد الخزاعي *
يشهد الأردن في السنوات الأخيرة تزايدًا في الاتهامات الموجهة ضد الملك عبد الله الثاني وعائلته بالفساد وسوء استخدام السلطة. تتنوع هذه الاتهامات بين تملك عقارات فاخرة في الخارج بقيمة ملايين الدولارات، وبين استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية. وقد نشرت العديد من التقارير الدولية والمصادر الإعلامية معلومات تفصيلية عن هذه القضايا، مما زاد من تآكل الثقة في النظام الملكي الأردني، حيث تؤكد هذه التقارير على أن الملك عبد الله الثاني وعائلته ينفقون بشكل مفرط على حياتهم الشخصية، في حين يعاني الشعب الأردني من ضغوط اقتصادية متزايدة.
إن مجمل هذه المعطيات تبرز التناقض الصارخ بين ثروة الأسرة الحاكمة والمعاناة اليومية للمواطنين الأردنيين وهذا دليل على الفساد المستشري في أعلى مستويات الحكم، ومن الجوانب المهمة في هذه القضية هو مسألة ولي العهد الأمير حسين بن عبد الله ومحاولات تسويقه كملك قادم للأردن.
رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها كل من الملك عبد الله الثاني وزوجته رانيا لتقديم ابنهما كخليفة مستقبلي لحكم الأردن، إلا أن هناك شكوكاً كبيرة بشأن مدى قبول الأمير حسين لدى المجتمع الأردني حيث يعتبر العديد من المواطنين أن الأمير حسين لا يتمتع بالكفاءة والخبرة الكافية لتولي العرش خلفا لعبد الله الثاني، وهو ما يضعف من شرعيته السياسية. بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض النقاد أن النظام الملكي بشكل عام قد فقد الكثير من مصداقيته نتيجة للفساد المستشري وسوء الإدارة وهو نظام عفى عليه الزمن كما يتندر آلاف الأردنيين حاليًا.
من باب آخر تتبع العائلة المالكة في الأردن سياسات قمعية ضد المعارضة الأردنية سواء في الداخل أو الخارج حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من خمسة وعشرون ألف أردني ممنوعون من دخول بلادهم لأسباب سياسية بسبب آرائهم المنتقدة للنظام الأردني وعائلة الملك عبدالله الثاني.
إن مجمل هذه السياسات التعسفية أسهمت بشكل مباشر في تكوين معارضة أردنية قوية ومستمرة ضد النظام الملكي في داخل الأردن وخارجه، مما زاد من عدم قبوله لدى شرائح واسعة من المجتمع الأردني وهذا ما نشرناه وحذرنا منه منذ عدة سنوات في أبحاثنا ومقالاتنا المنشورة.
يعتمد الملك عبد الله الثاني ونظامه بشكل كبير على الأجهزة الأمنية في قمع المعارضين السياسيين لحكمه الأمر الذي أدى إلى اعتقال المئات من أبناء الشعب الأردني وزجهم في السجون والمعتقلات، حيث يتعرضون لوسائل تعذيب ممنهجة من قبل جهاز المخابرات العامة الأردنية، وذلك تحت توجيهات مباشرة من الملك عبد الله الثاني وبمشاركة وتدخل من زوجته الملكة رانيا والتدقيق في ملاحقة أي صاحب رأي حر أو ناشط سياسي، وهذا القمع الممنهج أدى إلى تزايد الغضب الشعبي وزيادة عدد المناهضين للنظام الملكي بشكل عام.
بالإضافة إلى ذلك، يُظهر النظام الملكي الأردني يأسه في محاولاته لمحو تاريخ وسيرة المعارضين السياسيين الأردنيين، وتهميشهم وإنكار وجودهم، ويتجلى ذلك واضحًا عبر التاريخ، ابتداءً من قدوم عبدالله الأول إلى الأردن في عشرينيات القرن الماضي ودوره في تدمير ومحو تاريخ زعماء الأردن الأحرار، ومرورًا بحكم الملك حسين، ووصولًا لعبد الله الثاني حاليًا.
يسعى مسؤولو الدولة الأردنية حاليا تحت إمرة عبد الله الثاني وعائلته، لتدمير ومحو أي نخب وكفاءات سياسية أردنية شريفة ويُعتبر مثالًا على ذلك حالة النائب المعارض السابق أسامة العجارمة، حيث تمت محاكمته في 26 يناير 2022، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 12 عامًا مع الأشغال بسبب معارضته للملك عبد الله الثاني، وما زال العجارمة مُسجى في السجن حتى تاريخه مما يعكس بشكل واضح سياسة القمع والتهميش التي يمارسها النظام الملكي ضد أي صوت معارض له.
علاوة على ذلك، فإن الملك عبد الله الثاني والعائلة المالكة أصبحوا مكشوفين للعيان بتآمرهم على الأردن والشعب الأردني ومع قضايا الأمة فهم حلفاء مستمرون لإسرائيل حالياً، ولم يقدموا صورة واضحة كقادة عرب يدافعون عن الأمة العربية وقضاياها الهامة. بدلاً من ذلك، يظهر أنهم يلتفون على هذه القضايا ويتآمرون ضدها، وهو ما بات واضحاً بشكل خاص في تعاملهم مع القضية الفلسطينية. إن هذه العلاقات المشبوهة مع إسرائيل أضرت بمكانتهم كقادة عرب، وأثرت سلباً على موقفهم من القضايا العربية المهمة.
عند التحليل لسياسات القصر الأردني يتبين بشكل لايمكن انكاره أن النظام الملكي الأردني لا يعمل لصالح الشعب الأردني ولا لمصلحة القضايا العربية الكبرى، وبدلاً من ذلك، يبدو أن الملك عبد الله الثاني يسعى للحفاظ على تحالفاته الدولية بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق ومصالح الشعب الأردني والفلسطيني، والقضايا المحورية لللأمتين العربية والإسلامية.
ان مجمل هذه الظروف التي ذكرت سابقآ قد أثارت دعوات متزايدة لقيام نظام جمهوري أردني منتخب، حيث يطالب الكثيرون باستبدال العائلة الحاكمة بطبقة وقيادات ونخب سياسية منتخبة شرعيًا وبطريقة ديمقراطية من قبل أبناء الشعب الأردني، وذلك كإعلان طلاق نهائي من نظام فرض على الأردنيين من قِبَل العائلة المالكة والتي جلبها الانتداب البريطاني للأردن في بدايات القرن العشرين.
نعود لقضية ولي عهد الأردن حيث إن عدم قبول ولي العهد حسين عبدالله من قِبل شرائح واسعة من المجتمع الأردني ينذر بمستقبل غير مستقر للعائلة الحاكمة حيث تتزايد الأصوات المطالبة بالإصلاح والتغيير السياسي، وتلوح في الأفق احتمالات تغيير النظام السياسي في الأردن، ونتيجة لذلك تتزايد الدعوات لإقامة نظام حكم أكثر شفافية وديمقراطية، يكون بعيدًا عن الفساد والمحسوبية.
إن النظام الملكي الأردني يبدو اليوم كبيت من ورق، معرض للانهيار في أي لحظة حيث أن سخونة الوضع الأقليمي في الشرق الأوسط، والفساد المستشري، والقمع السياسي، والتآمر مع قوى خارجية كلها عوامل مجتمعة ترجح أن النظام الحالي ساقط شعبيا قبل أن يسقط حكماً.
وفي الختام، لابد من الإشارة إلى أن الأردن يتجه نحو مفترق طرق حاسم، حيث تتزايد المطالبات بالتغيير السياسي والإصلاح الجذري، فكلما أصر الملك عبد الله الثاني وعائلته على الاحتفاظ بالسلطة والتمسك بالفساد والقمع، ينمو الاستياء الشعبي والدعوات للتغيير بشكل أكبر حيث لم يعد الشعب الأردني يقبل بالظلم والاستبداد، بل يتطلع إلى مستقبل يحمل الديمقراطية والعدالة.
باقتراب نهاية النظام الملكي، يتجه الأردن نحو فترة انتقالية حاسمة، قد تكون صعبة ومليئة بالتحديات، ولكنها في النهاية ستمهد الطريق لمستقبل جديد لابد من أن يؤخذ في الاعتبار والحسبان إضافة إلى الاستعداد واليقضة لمثل هذا التغيير.
في مثل هذه اللحظات التاريخية، يتعين على الشعب الأردني الوقوف متحدين، والعمل معًا من أجل بناء مستقبل يضمن العدالة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وسيبقى التاريخ يشهد على تضحياتِ الأردنيين ونضالهم من أجل الحرية والكرامة.
في حال نهاية النظام الملكي في الأردن لن يكون مثل هذا الحدث مجرد تغيير في الحكومة، بل سيمثل محطة مفصلية في مسار الأردن، وستبدأ صفحة جديدة لعهد يكون فيها الشعب الأردني سيد مصيره، فعين على الأردن وعلى الأردن عين الحدث!
* محلل سياسي وشاعر













08/24/2024 - 11:07 AM





Comments