بقلم الدكتور لويس حبيقة
تعاني منطقتنا من هجرة كبيرة للشباب كانت أكثريتها الساحقة شرعية، أما اليوم فأعداد كبيرة تحاول المغادرة بكل الطرق المتوافرة مهما كانت تكلفتها المادية والإنسانية. في الماضي كانت الهجرة أساسًا اقتصادية، أي يحاول الإنسان تقديم طلب المغادرة الشرعية للإقامة والعمل لتحسين أوضاعه المادية وبالتالي كانت الهجرة شبابية بامتياز. هجرة اليوم ليست فقط اقتصادية انما أيضا حياتية إنسانية لكافة الأعمار وبكافة الوسائل. من يشاهد القوارب تغادر من مختلف الشواطئ العربية وتغرق ويموت المئات وربما أكثر، يحزن ويأسف على أوضاعنا المتردية.
رسالة الدول المضيفة واضحة وهي عدم الرغبة في الاستقبال وبالتالي كان من المتوقع أن يشكل هذا رادعًا أمام الراغبين في الهجرة. العجيب أن الهجرة تستمر والمغادرة بأي ثمن هي الواقع المؤسف. الحقيقة أن المغادرة على هذه القوارب هي نوع من "الانتحار". مجرد مشاهدة تلك الأعداد البشرية الهائلة على قوارب لا تتسع حتى لقسم قليل منها، مؤلم ويشير فعلا الى عمق مشاكلنا. رغبة المواطنين بالمغادرة كبيرة ووراءها دوافع قوية لا يمكن مواجهتها بسهولة لأنها ترتبط بأوضاعنا الاقتصادية والحياتية والإنسانية. من يريد المغادرة انتحاريا، من الصعب منعه أو حتى اقناعه بالعكس.
صعب جدًا أن يغادر الانسان بالقوة الى دول ومجتمعات ترفضه. المفروض أن يشكل هذا الواقع سببا كافيا لعدم الهجرة أو أقله أن تخف الأعداد. المدهش أن أعداد المهاجرين غير الشرعيين تزداد، وعدد الضحايا يرتفع أيضا لكن الرغبة في الهجرة أكبر وأعمق. تركيز الهجرة غير الشرعية على الدول الأوروبية التي لا تريدهم وتصرح عن ذلك محير. فلماذا لا تتوجه هذه الهجرة المؤسفة الى دول تستقبلهم ربما تركيا، الاقتصاد التاسع عشر عالميا، حيث الفرص كبيرة وستكبر لأن تنوع الاقتصاد التركي واسع وقابل للتوسع.
ربما هنالك دول أسيوية قوية تحتاج الى العمالة كالصين واليابان ربما تستقبلهم بسهولة أكبر حتى لو كانت المسافة من هنا أبعد؟ ما تعاني منه الصين اليوم ونتيجة سياسة الطفل الواحد هو النقص في العمالة الذي يمكن التعويض عنه من مصادر خارجية متعددة. رفض هذه الدول القوية لاستقبال المهاجرين محير في ظل حاجتها المعلنة لليد العاملة المنتجة.
بين دولنا العربية، تختلف أسباب الهجرة وبالتالي الدافع لها. من يهاجر من سوريا مثلا غير الذي يهاجر من لبنان أو تونس أو ليبيا. لكل دولة مقوماتها السلبية الكبيرة التي تدفع للمغادرة. يمكن للحكومات المختلفة أن توقف الهجرة غير الشرعية اذا أرادت ذلك، لكن لا شيء يشير اليه. هنالك دول عبر العالم شجعت الهجرة منها لوقف الضغط على السياسيين بشأن الحقوق المعيشية والانسانية المسلوبة وفي مقدمها الحريات. عمليا هذا لن يقضي على الرغبة في الهجرة التي ستبقى قوية طالما أن مجتمعاتنا لا تتقدم على صعيد الحقوق والحريات والمساواة. أفضل طريقة لتخفيف الهجرة غير الشرعية من منطقتنا هي تحسين الأوضاع الاقتصادية داخل كل دولة بحيث يعيش الانسان بكرامة وحرية وسعادة أكبر.













08/21/2024 - 11:48 AM





Comments