بقلم: ألفة السلامي
غيّبَ الموت الصحفي والسياسي الفلسطيني بلال الحسن في الثامن من أغسطس الجاري بفرنسا عن عمر يناهز الخامسة والثمانين، بعد أن غاب نتيجة المرض طويلا عن الساحة الإعلامية والسياسية. ونحن إزاء شخصية بحجم الوطن، عاش شتاتًا وترحالًا ومعاناةً تلونت بألوان المآسي التي عاشتها فلسطين منذ نكبة 1948 ثم نكسة 1967 وما بينهما وما بعدهما من أحداث دامية جعلت جرح القضية يتقيح ولا يندمل.
لم يكن بلال الحسن صحفيًا وسياسيًا عاديًا بل تميز بكاريزما خاصة، تتمثل أمامنا وهو يخطب ويدافع عن موقفه تجاه القضايا القومية وتتجسد في كلمات مقالاته المعجونة بالحماس والخبرة؛ فهو من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية البارزين، حيث كان عضوًا في اللجنة التنفيذية للمنظمة وعضوًا لمجلسها الوطني، كما أنه من أبرز الصحفيين والكتاب والمفكرين العرب. وكان أكثر ما يميزه في رأيي شجاعته الاستثنائية، خاصة عند قول "لا" عندما يأتي على غير هوى الأغلبية.
ومن ملامح هذه الشجاعة دعواته المتكررة لترتيب البيت الفلسطيني من الداخل توطئة لقيام وحدة فلسطينية على أساس البرنامج المشترك، ومطالباته بالنقد الذاتي ومراجعة الأخطاء من أجل تجاوزها والبناء على ذلك مع التمسك بثوابت الشعب الفلسطيني التي أقرَّها الميثاق الوطني لتحقيق أهدافه في العودة وتقرير المصير وقيام الدولة الوطنية المستقلة.
وشجاعته تمثلت أيضا في رفضه لمفاوضات السلام مع الدولة المحتلة واتفاق أوسلو في وقت كان أغلب القادة يشجعون هذا المسار، وقد التقيت به في ذلك التوقيت الصعب، تحديدًا في خضمِّ التحضير لمؤتمر مدريد للسلام في العام 1991، ثم بعد ذلك في أعقاب عدة جولات من المفاوضات. كان بلال الحسن ينتقل بين تونس والمغرب بعد توقف مجلة اليوم السابع-أبرز العناوين العربية آنذاك-التي أسسها في باريس مع نخبة عربية من الأقلام البارزة، بينما كان أبو عمار في مقره بحمام الشط بتونس، ولم ينقطع اللقاء والتواصل بينهما رغم الخلاف في الرأي.
جوهر الخلاف تمثل في إصرار الحسن على أن تكون المفاوضات عبر مؤتمر دُوَليّ وبرعاية الأمم المتحدة باعتبار أن المؤتمر الدولي يوفر عنصر التوازن المفقود على الأرض؛ بينما شرط إسرائيل الأول أن تكون مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة وبرعاية أمريكية. وتبنى وزير الخارجية جيمس بيكر الشرط الإسرائيلي، مع رئيسه جورج بوش، ورفع شعارًا زائفًا ومغشوشًا عندما ادعى أن المفاوضات طوعية ولا يفرض فيها أي طرف ما لا يريده الطرف الثاني. بينما اتضحت الحقيقة في الأثناء وهي أن الولايات المتحدة لن تضغط على إسرائيل وبالتالي لن تتم المفاوضات إلا بقبول الفلسطينيين والعرب لشروط إسرائيل، وقد قبل الفلسطينيون والعرب ذلك تحت وطأة الضغط الأمريكي والتأثير النفسي للأحداث المتلاحقة في أعقاب انتهاء حرب الخليج واستنادًا على الانتصار الأمريكي على العراق، وتزعّم الولايات المتحدة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، خاصة مع أبواق الدعاية التي صاحبت ذلك بأنّ من يرفض الطرح الأمريكي سيخرج عن النظام العالمي الجديد كما خرج صدام حسين حين تحداها.
وتلك كانت فزاعة كفيلة بنبذ وتحطيم من يُظهرُ مقاومة أو يرفض مسار المفاوضات. وتفاوتت الرؤى الفلسطينية والعربية بين ضرورة الالتحاق بالركب وبين كونه شرًا لابد منه. وكثرت التحليلات والبكائيات حول الفرص الضائعة في الماضي، من ذلك أن أبا عمار لو كان قد قبل بدعوة السادات في مينا هاوس لما ضاعت تلك الفرصة "التاريخية" وأنه الأولى الآن ألا تضيع هذه الفرصة لينقذ الفلسطينيون ما بقي من الأرض قبل ضياع الأرض كلها.
وكلها خيارات دارت حول "الموت" (السريع أو البطيء)، بعبارات بلال الحسن، الذي كان يرى أن التراجع عن مطلب المؤتمر الدولي برعاية الأمم المتحدة يؤدي إلى إضعاف مرجعية المفاوضات. وقد جرّ هذا التنازل تنازلات أخرى حيثُ فرضُ على المفاوضات التي استندت إلى قراري 242 و338 أن تخوض في معنى هذين القرارين وتفسيرهما، ولم يكونا قرارين خاضعين للتنفيذ من قبل إسرائيل، بل طالب جيمس بيكر والإسرائيليون بأن يتضمن التفاوض أيضا مغزى القرارين لتصبح بذلك المفاوضات في متاهة لا مخرج لها. وضاع بذلك مضمون المفاوضات والهدف من إجرائها، وأصبح الانسحاب وحق تقرير المصير المتفق عليهما سلفًا خاضعين بدورهما للتفاوض. كما رفض بيكر الضمانة التي طالب بها الفلسطينيون والمتمثلة في وقف الاستيطان مع بدء التفاوض معتبرًا أنه موضوع خاضع بدوره للتفاوض.
أدرك بلال الحسن مبكرًا وقبل آخرين أن هدف الاحتلال والأمريكان أن يتقدم الفلسطينيون والعرب إلى مفاوضات غير محددة المضمون. ورفضت إسرائيل في المقابل مطالب الفلسطينيين جميعها، وهي التفاوض باسم منظمة التحرير الفلسطينية وأن يكون الوفد ممثلًا لفلسطينيّ الداخل والخارج وأن يكون سكان القدس ممثلين في المفاوضات.
مع ذلك، استجاب الفلسطينيون واضطروا للذهاب كفلسطينيين من الداخل فقط ودون ضم أي عضو للوفد من القدس أو من الخارج، لدرجة رفض دخول المحامي رجاء شحادة قاعة المفاوضات بدعوى أنه يحمل بطاقة شخصية من القدس. لذلك غابت المرجعية وغاب المضمون والهدف وغاب الشكل أيضًا؛ وبالتالي جاءت المفاوضات محكومة بالفشل.
هذا ملخص موقف بلال الحسن من مفاوضات السلام. ورأيتُ ضرورة التذكير به خلال تأبينه، خاصة في ضوء تداعيات طوفان الأقصى وكيف يمصمص البعض شفاههم ويرددون أن الفلسطينيين هم من ضيعوا فرص نجاح مفاوضات السلام السابقة، بينما كانت مجرد كسب للوقت من جانب الاحتلال لتنفيذ خطط الاستيطان والتهجير وتغيير معالم الأرض الفلسطينية. وقد كرر بلال الحسن كثيرًا أن الحلول غير العادلة تاريخيًّا تؤسِّس لانتفاضات وتوترات مقبلة، وأظن أنه كان محقّا، فهو نفس الوضع الذي يختمر الآن.













08/21/2024 - 10:48 AM





Comments