د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
لن تكون إسرائيل آمنة إذا لم توافق على قيام دولة فلسطينية آمنة، ولن تقبل السعودية بتحقيق الممر الهندي الإسرائيلي الأوروبي دون تحقق الدولة الفلسطينية، وهذا لا يتحقق دون القضاء على أذرع إيران في المنطقة التي تهدد أمن إسرائيل وليس أمن السعودية بعدما توصلت السعودية مع إيران عبر بكين إلى تهدئة.
شعرت إسرائيل بتهديد أمنها بعد طوفان الأقصى واتجهت بعيدا نحو تدمير قطاع غزة وتحويلها إلى منطقة منكوبة غير صالحة للسكن ونزح نحو 1.9 فلسطيني داخل غزة فقط نحو 400 ألف ظلوا في أماكنهم، من أجل تصفية سكان غزة ونزحهم إما إلى سيناء أو الأردن، ما جعل السعودية تسارع إلى إقامة قمتين عربية وإسلامية وشكلت مجلس رئاسي بقيادتها جيشت العالم وبشكل خاص مجلس الأمن من أجل وقف فوري للنار وإدخال المساعدات.
خيار إقامة الدولتين الوحيد القابل للتطبيق لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لأنه لم يستطيع أحدهما القضاء على الآخر، خصوصا وأن عدد كبير من الدول العربية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية التي تمثل الفلسطينيين بقيادة السعودية قبلت المبادرة العربية في بيروت عام 2002، وهو يمثل تحولا كبيرا عن قرار الجامعة العربية الصادر في الخرطوم في سبتمبر 1967 والمعروف بلاءاته الثلاث لا تفاوض ولا اعتراف ولا سلام، حتى ميثاق حماس الذي صدر عام 2017 أتى بقبول دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967، وهو اعتراف بإسرائيل ولو كان ضمنيا، لكن إسرائيل راهنت على عسكرة قوتها، ولم تتوقع أن طوفان الأقصى يغير من نظرتها الأمنية، ما جعلها تتجه نحو العقاب الجماعي لشعب أعزل.
وقد أكد مستشار نتنياهو مارك ريغيف لشبكة سي إن إن أن إسرائيل تنوي أن يحكم الفلسطينيون أنفسهم دون امتلاك القدرة على تهديد إسرائيل، وأن الوصول إلى هذه الصيغة للحكم ستفيد الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، وأكد أن على الفلسطينيين إذا أرادوا أن يكونوا مستعدين لتفهم مخاوف إسرائيل الأمنية إنها مخاوف مشروعة، وعليهم أن يتفهموا أن أي مناطق متاخمة لإسرائيل يجب أن تؤمن الترتيبات اللازمة بما يسمح لها بالدفاع عن نفسها.
تتابع السعودية التطورات بشكل دقيق، وموقفها ثابت من إقامة الدولة الفلسطينية، ولا تقبل أقل من ذلك لوقف التوتر في المنطقة، ووقف المتاجرة بالقضية، لتقود السعودية المنطقة وتحويلها إلى أوروبا الجديدة، وهناك تلميح لبايدن إلى وجود دول في الأمم المتحدة لا تملك جيوشا، يظهر أن فكرته تعني أنه يريد دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وبدأ بايدن يقنع نتنياهو بعد انقطاع امتد نحو شهر إلى إبداء مرونة وعليه أن يساعده في الانحناء لعاصفة حادة تتعرض لها الإدارة الأمريكية من داخل الحزب الديمقراطي والعتب الذي يواجهه من السعودية الذي ربطت التطبيع مع إسرائيل بالحديث عن حل مناسب للقضية الفلسطينية.
يجد بايدن تحقيق الدول الفلسطينية امتصاص الغضب المتنامي داخل حزبه بسبب الدعم الكبير الذي قدمته واشنطن لإسرائيل، وهي بذلك تشارك في إبادة الشعب الفلسطيني، فضلا عن تقويض دورها في منطقة الشرق الأوسط، ما يمنح قوى أخرى فرصة في ملئ الفراغ خصوصا الصين وروسيا، وبالفعل حماس تبحث عن دعم روسي لها.
اعتداء الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر أنهى حالة الحياد الدولي الذي منع السعودية من تحرير الحديدة في 2018 من أجل حماية ممرات البحر الأحمر وهو ما يشكل مساعدة غير مباشرة للحوثي خصوصا عندما أوقفت واشنطن ولندن وبرلين من تزويد السعودية بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، لكن السعودية رفضت المشاركة في التحالف لضرب الحوثي وحافظت على علاقة معه وأيضا مع إيران وفق التهدئة التي رعتها بكين.
دخول الحوثي على خط حرب غزة من أجل زيادة شعبيته لاستثماره عند الجلوس على طاولة المفاوضات، وكسب دعاية عربية وإسلامية، لكنها وفي نفس الوقت عوض حزب الله عن ذراع إيران الطويلة عن المشاركة في حرب مع إسرائيل حفاظا على مخزنه من الصواريخ، لكن إسرائيل تضغط على حزب الله من أجل التزحزح شمال نهر الليطاني.
كانت استراتيجية أمريكا تختلف عن استراتيجية السعودية في 2015، فأمريكا وقعت اتفاق نووي سلمي مع إيران، لكن السعودية واجهت الحوثي وإيران كمليشيات طائفية معتدية في اليمن الذي يهدد امنها، وتسيطر على الممر الحيوي في مضيق باب المندب، فشكلت تحالفا بين الدول المتشاطئة عام 2018 لحماية أمن البحر الأحمر، بينما اليوم بعد التهدئة مع إيران تغيرت المعادلة تماما وأصبحت أمريكا هي من تواجه إيران وأذرعها في المنطقة، خصوصا بعدما ورط الحوثيين أنفسهم في استهداف ممرات الملاحة في البحر الأحمر، وهناك نحو 75 من عناصر حزب الله ومن الحرس الثوري ومن الحوثيين تم استهدافهم عندما تم استهداف منصات إطلاق الصواريخ، ولا يزال خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله هم من يطلقون الصواريخ البالستية بشكل خاص حتى قرار إطلاقها لا يتم إعلام الحوثيين حتى في مناطق سيطرتهم.
تحول استهداف البنى التحتية إلى استهداف قادة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله فقد قتل خلال الأسابيع الماضية رضى موسوي قرب دمشق، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في ضاحية بيروت الجنوبية معقل حزب الله ، والقيادي العسكري في حزب الله وسام الطويل في جنوب لبنان، وفي منطقة المزة مقتل ستة أشخاص منهم قائد الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني في سوريا وهي ضربات تتزامن مع الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، وعملية الاغتيالات متواصلة.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا











01/21/2024 - 11:04 AM





Comments