أسرار وراء غياب العرب أمام "العدل الدولية"؟

01/14/2024 - 12:25 PM

Bt adv

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

طلبت جنوب إفريقيا في 29 ديسمبر الماضي من محكمة العدل الدولية إصدار أمر عاجل يعلن أن إسرائيل تنتهك التزاماتها، بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948، في هجماتها على الأراضي الفلسطينية المدمرة والمحاصرة. وتقول جنوب أفريقيا في ملفها المؤلف من 84 صفحة إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. وفي جلستي الاستماع، لم تؤيد أي دولة عربية أو إسلامية قضية جنوب إفريقيا.

وظلت الأقلام والتعليقات تشير إلى الغياب المخجل للعرب بسبب اتفاقيات التطبيع بين دول عربية والدولة العبرية، والمفاوضات السرية لتطبيع العلاقات بين دول عربية أخرى مع الكيان المحتل؛ ومن هنا زادت التساؤلات حول غياب الدول العربية عن هذه الدعوى أمام محكمة العدل الدولية. لكن لنتوقف من أجل المزيد من البحث والتقصي لنمسك ببعض خيوط الحقيقة!

أول انطباع عند الحديث مع متخصصين في القانون الدولي هو: "ليس كل ما يقال يُكتب"؛ وهذه نتيجة لا تريح الصحفيين! ومع ذلك، من الممكن بما تحتويه اللغة من مفردات وأساليب إيصال بعض الرسائل. أولها، نصيحة جنوب إفريقيا للدول بعدم التقدم بطلبات للمحكمة أو الانضمام إلى الدعوى بسبب ضيق الوقت وحتى يمكن تقصير مدة نظر القضية، حيث يتوقف صدور الحكم النهائي ضد الكيان المحتل على عدد القضايا المنظورة أمام محكمة العدل الدولية.

وقد يصدر القرار الاحترازي من محكمة العدل ضد اسرائيل خلال شهر، أما الحكم النهائي فقد يستغرق مدة زمنية أطول، ربما تتجاوز السنتين إذا ما نظرت المحكمة في عدد من القضايا. ثانيا، حكومة جنوب إفريقيا لديها الإرادة السياسية والخبرة التاريخية في قضايا جرائم الإبادة الجماعية، وقد تنجح بفضل ذلك -في بند ما يسمى بالتدابير- إلى استصدار قرار من محكمة العدل العليا بوقف العمليات العسكرية على غزة.

ثالثا، أبلغت جنوب إفريقيا الدول التي تواصلت معها "برغبتها بأن تكمل هذه الدعوى منفردة ودون شركاء حتى لا تختلط الأوراق ويستفيد منها الدفاع الإسرائيلي". والمقصود هنا باختلاط الأوراق هو التداخل بين القانوني والسياسي، حيث أن وجود دول عربية أطراف في الدعوى قد يؤدي إلى الطعن على الدعوى بالإخلال الحياد القانوني.

أما فيما يخص الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي فلا يحق لهما رفع دعاوي أمام العدل الدولية "لأنهما ليستا ضمن الأطراف المصرحة لها بذلك". وبالنسبة لمصر تحديدا فهي طرف يبذل جهودا للوساطة بين الطرفين ويسعى للحفاظ على هذا الدور شديد الأهمية الآن وقد يفقد زخمه إذا رفعت الدعوى.

وعن تشكيل المحكمة التي تضم 15 قاضيا من 15 دولة حول العالم، هناك ثلاث قضاة عرب إضافة لقاضي فرنسي من أصل مصري، وإذا أضفنا إليهم القاضي البرازيلي والروسي والصينية والياباني فإنهم سيمثلون أكثر من 50 % من الأصوات التي قد تصوت لقبول الدعوى. لكن القضاة العرب قد تُحجب أصواتهم إذا ما كانت إحدى دولهم طرفا في هذه الدعوى. وليس مستبعدا أن يطلب محامي الكيان المحتل ذلك أو رئيسة المحكمة أو أي عضو آخر.

والقضاة العرب هم المغربي محمد بنونة وقد كان أحد أعضاء الهيئة القضائية بالمحكمة الجنائية الدولية المكلفة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا. يضاف إليه القاضي الصومالي عبد القوي أحمد يوسف وهو عضو في معهد القانون الدولي وفي لجنة المحكمين بالمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ومؤسس ورئيس المعهد الإفريقي للقانون الدولي. وهناك القاضي اللبناني نواف سلام، وهو خريج جامعتي هارفرد والسوربون ويدرّس القانون بهما وكان سفيرا لبلاده ومندوبا دائما في الأمم المتحدة.

أما القاضي الفرنسي روني ابراهام فهو من أصل مصري، ومن الإسكندرية تحديدا، وقد انتُخب ثلاث مرات في عضوية المحكمة بعد أن تولى رئاستها. وقبل ذلك، مثّل ابراهام فرنسا في تقديم الفتوى القانونية لمحكمة العدل، حول عواقب بناء جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2004، وذلك في طلب تقدمت به للجمعية العامة للأمم المتحدة. وكل هؤلاء القضاة العرب قد تذهب المحكمة إلى استبعاد أصواتهم لو ذهبت للتصويت في صورة ما إذا كانت دولة عربية طرف في الدعوى، تحت تعلة الانحياز السياسي لصالح فلسطين.

وربما ذلك كله وراء تراجع تونس بعد أن أعلنت بالفعل انضمامها للقضية إلى جانب جنوب إفريقيا. وفسر أحد المصادر الدبلوماسية موقف تونس إذا انضمت للدعوى بأنه "سيكون ضعيفا لأنه قد يُدفع بأنها لها موقف سياسي ضد الدولة العبرية" حيث أنها غير معترفة بها كما أنه "يجنّبها الاعتراف الضمني" بها. ومن هنا ترغب جنوب إفريقيا غالبا تفويت الفرصة لإلغاء هذا الاحتمال بأن تظل منفردة في إقامة الدعوى.

وبالنظر لملف رئيسة المحكمة القاضية جوان إي دونوجو فإن الانطباع السائد عنها أنها صناعة الإدارة الأمريكية وتنسق معها لخدمة مصالحها في ظل تورطها في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.

ولعل ما يهمُّ حقيقة الآن في هذه الدعوى التاريخية هي مصلحة المستفيد من الدعوى والمُدّعي وهما غزة وشعبها من جانب، وجنوب إفريقيا من جانب آخر. ولو صحّت هذه التفسيرات القانونية والحسابات السياسية فإن رفع جنوب إفريقيا الدعوى - وليست دولة عربية- يعد ميزة كبيرة لسير القضية.

وكل ذلك لا يُعفي الدول العربية من تحمل مسؤولياتها والقيام بأدوارها بكل الأدوات القانونية والدبلوماسية والسياسية لإيقاف الحرب ضد غزة والحصول على الحقوق الفلسطينية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment