د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
استقبل الأمير محمد بن سلمان ولي العهد بالمخيم الشتوي في العلا عضو مجلس الشيوخ الأمريكي رئيس لجنة الاستخبارات مارك وارنر وأعضاء اللجنة أنغس كنغ وجون كورنين والسيناتور كريستين غليبراند وجون أوسوف ومارك كيلي في 6/1/2024 وبحث داخل خيمته التراثية علاقة التعاون بين البلدين، كما استقبل في نفس المخيم الشتوي وزير خارجية أمريكا بلينكن في 8/1/2024 وتأكيد السعودية رفض سعودي قاطع لتهجير سكان غزة، وإعادة الاحتلال، وأهمية الاستجابة العاجلة للاحتياجات الإنسانية، ومنع المزيد من الصراع، كذلك كان هناك لقاء مع السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، باعتبار السعودية مركز القرار العربي والإقليمي.
موقف السعودية لن يتبدل في دعم القضية الفلسطينية مع الأحداث التي يشهدها قطاع غزة، وأن السعودية لن تطبع علاقتها مع إسرائيل إلا بإقامة دولة فلسطينية بعد إنهاء النزاع، وإيجاد مسار عملي لقيام دولة فلسطينية، ومعروف أن السعودية لم تنضم إلى اتفاقيات ابراهام الموقعة في 2020 برعاية أميركية بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، بينما رعت أمريكا الممر الهندي الإسرائيلي الأوروبي بشرط إقامة الدولة الفلسطينية، لكن السعودية انتقدت بأشد العبارات الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في بيانات رسمية.
وكذلك فعل ولي العهد بنفسه قبل استضافة قمة عربية إسلامية تمحورت حول الحرب في غزة وطالبت بوقف فوري للنار والسماح بإدخال المساعدات ووقف التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، وبعض المزايدون لا يرون في تلك الجهود السعودية تأثيرا على وقف الحرب في غزة، بل يرون الحوثي الذي يهدد أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر بحجة أنه يستهدف السفن التجارية الذاهبة إلى إسرائيل ولا ينظرون إلى أهدافه وغاياته الحقيقية.
تعتبر جولة بلينكن الرابعة للمنطقة والسعودية منذ اندلاع حرب غزة والتي دخلت شهرها الرابع، أكد فيها بلينكن أن هناك توافقا واسعا بين قادة الدول التي زارها على ضمان أمن إسرائيل وتوحيد القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وغزة وقيام دولة فلسطينية، رغم أن بلينكن في حديث صحفي من العلا قال لا أحد تحدثت معه يظن أن أيا من هذا سيكون سهلا، لكننا توافقنا على العمل معا، وتنسيق جهودنا لمساعدة غزة في تحقيق الاستقرار والتعافي ورسم مسار سياسي على تحقيق السلام والأمن والاستقرار على المدى الطويل.
كما ناقش بلينكن مع سمو ولي العهد الهجمات الحوثية التي تعكر صفو التجارة العالمية، وأن هناك جهودا للحد من التوترات الإقليمية بما في ذلك ردع هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية من قبل التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة، رغم أن السعودية لا ترغب في أي ردع للحوثي، وتود من الحوثيين التوقف عن استهداف التجارة العالمية خصوصا وأنها تخوض مفاوضات متقطعة مع الحوثي لوضع الحرب في اليمن على سكة الحل، وهي التي أوقفت الولايات المتحدة من التريث في ردع الحوثي، ولا زالت أمريكا تستخدم الصبر الاستراتيجي ولكن في الحقيقة دخلت مرحلة الانهاك الاستراتيجي.
لكن يبدو أن الحوثي أحدث تغير نوعي وكمي للسفن العسكرية ويواصل استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر والبحر العربي والحوثي ليس لديه تواجد في البحر العربي، ففي 10/1/2024 أطلق الحوثي 20 طائرة مسيرة أسقطت أمريكا 18 ما يعني أن هناك طائرتين مسيرتين سقطت في الأراضي اليمنية وتقوم الولايات المتحدة بالدفاع عن نفسها بإسقاط الطائرات المسيرة التي تستهدفها، وليس عبر الحشد العسكري الدولي، لكنها تثبت للمجتمع الدولي خطر الحوثي وأن هناك ابتزازات حوثية وإيرانية في البحر الأحمر خصوصا وأن الحوثي يمتلك 1450 صاروخ وطائرة مسيرة، كما أن عسكرة المنطقة لن تتضرر منها إسرائيل وأمريكا بل التجارة الإسرائيلية عبر البحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح المتضرر اليمن ومصر والسعودية والبقية العرب والدول المتشاطئة في المنطقة وأيضا التجارة الدولية البالغة تريليون دولار سنويا.
الدول المتشاطئة لا تود التورط أكثر في المنطقة، لكن أمريكا سترحل فالجيوبولتيكا في البحر الأحمر أن الحوثي أسياد الحرب الغير متكافئة لكن المساحة الجغرافية واسعة جدا، فأمريكا ترى إيران المسؤول الأول والمنفذ الحوثي والارتدادات في إسرائيل لكن الأسعار ارتفعت في اليمن بسبب المغامرة الحوثية ارتفعت 15 في المائة فليس لديها أي استيعاب فدمرت مقدرات الشعب فدمرت الموانئ وقطعت الرواتب ولا يهمها سوى مصالحها ومصالح إيران في المنطقة من التمدد والنفوذ باعتبار البحر الأحمر الممر الاستراتيجي، وقد يكون مكان للمعركة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين، فالتمترس عند المداخل المكافئ الموضوعي باعتبار أن هذه الضوضاء ستغطي على تخصيب اليورانيوم الإيراني عند 60 في المائة.
بعد زيارة بلينكن لرام الله أكد لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إن ثمة حاجة لضمان سلام دائم ومستدام لإسرائيل والمنطقة، بما في ذلك تحقيق الدولة الفلسطينية، وشدد على أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة أمر أساسي لاستقرار المنطقة على المدى الطويل، وبعد اجتماعه مع أعضاء كابينت إدارة الحرب وأطلعهم على المحادثات التي أجراها مع ولي العهد السعودي في العلا، ومع بقية القادة في المنطقة، وشدد على ضرورة تكثيف إدخال المساعدات الإنسانية لغزة على الفور، وبلورة آلية لإعادة السكان الفلسطينيين إلى منازلهم في شمال القطاع، وهي الزيارة الخامسة إلى إسرائيل منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
عرض بلينكن على الكابينة التزام القادة العرب بالمسار السياسي، ودفع إسرائيل إلى المرحلة التالية من الحرب التي تقوم على عمليات مستهدفة وليست مكثفة على نطاق واسع في كل قطاع غزة، والسماح للفلسطينيين بالعودة إلى شمال القطاع ووضع موعد محدد لنهاية الحرب، وخطة واضحة لليوم التالي وكلها ملفات محل خلاف.
ووفق مصادر إسرائيلية أكدت أن نتنياهو أبلغ بلينكن أنهم ينتقلون تدريجيا بالفعل للمرحلة الثالثة وسحبوا آلافا من قواتهم في غزة في إطار انسحاب كبير من شمال غزة، وسيقلصون العمليات في المرحلة المقبلة، لكنهم لن يسمحوا بعودة النازحين إلى شمال القطاع، وهي مسألة مشروطة بإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين في غزة، أي أنه سيكون مرتبطا بعقد صفقة جديدة، وفي نفس الوقت يرفض الفلسطينيون الحديث عن اليوم التالي إلا إذا كانت مرتبطة بوقف الحرب أولا وتمكين السلطة من الحكم في الضفة وغزة في سياق حل سياسي لا يستبعد أحد.
هناك جهود تسير في نفس المسار، فهناك قمة عقدت بين الرئيس عباس والملك حسين والرئيس السيسي في العقبة مع بلينكن في 10/1/2024 لبحث سبل وقف الحرب في غزة والأفق السياسي المطلوب لفترة ما بعد الحرب، وفي القاهرة هناك حراك دبلوماسي يستهدف تعزيز الوساطة لإنهاء الحرب التي تعثرت بعد اغتيال إسرائيل نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في الضاحية الجنوبية بحماية حزب الله التي وسعت من دائرة الصراع للضغط على إيران لوقف الحوثي عن استهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
كما أن هناك ضغطا سعوديا على الاستفزازات الصادرة من المستوطنين فعند لقاء وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ممثل الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيف بوريل في المخيم الشتوي في العلا أكد إن دول الاتحاد تدرس فرض عقوبات على المستوطنين الإسرائيليين الذين يستخدمون العنف ضد الفلسطينيين، وأنه طرح هذا المقترح على الدول الأعضاء في الاتحاد، وقال هناك 85 في المائة من سكان غزة أجبروا على النزوح الإجباري وأكثر من مليون شخص دون مأوى، فيما هناك أكثر من 200 ألف في خطر حقيقي نتيجة الجوع وعلينا العمل بكل ما بوسعنا لوقف الحرب في غزة عدا ذلك سيتوسع الصراع إلى الحدود اللبنانية والبحر الأحمر يشكل خطورة كبيرة.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا











01/10/2024 - 12:16 PM





Comments