سيزا قاسم التي يتجاهلها "الترند"!

01/09/2024 - 10:28 AM

A

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

من اسمها غير المتداول "سيزا" نستخلص تفردها بمعاني الابتكار والكرم والبهجة والنشاط والانتباه والحظ، وهذا غيض من فيض. ورغم حياتها الطويلة التي قاربت على التسعين، قليلون فقط يعرفون من هي سيزا قاسم التي توفيت منذ عدة أيام. قرأنا نعيا مختصرا في بعض المواقع إلا أن أحدا لم يتوقف عند رحلة هذه الشخصية العظيمة كما لم تتناول الأخبار تراثها بل اقتصرت على إعادة نشر معلومات فقيرة عن الراحلة، كما لم تتربع بطبيعة الحال على عرش الترند كما تربعت "بيجامة" ياسمين عبد العزيز الحمراء (تريننج سوت) التي ظهرت بها في فيديو راقص، أو أغنية الراب للفيشاوي الصغير مع ظاظا. وهكذا نحن في عصر الظاظا والطاطا والبطاطا وأشباهها في اللا معنى وأصبح مجتمعنا يلهث وراء صداع العقول وهو ما يعكس الواقع الضحل الذي نعيشه!

نحن إزاء شخصية امتلكت ناصية ثلاث لغات وتبحرت في علومها، وهي الفرنسية التي درستها في مدارس الراهبات في المراحل الابتدائية والثانوية، ثم الجامعية، إضافة إلى العربية التي قررت أن تتعمق فيها فالتحقت مجددا بالجامعة لتدرسها في ثلاث سنوات بنصيحة وتوجيه من أستاذتها وقدوتها الدكتورة سهير القلماوي. لتأتي الإنجليزية في الأثناء والتي كانت ثقافة "نصف أفراد أسرتها" وغالبية عناوين مكتبتها حيث تمكنت من مطالعة الكتب النقدية والروايات التي عشقتها وكتبت بعد ذلك دراسات نقدية عنها صدرت في عدة كتب.

لجنة الدراسات الأدبية والنقدية بالأعلى للثقافة تحتفي بـ سيزا قاسم
 الأكاديمية والناقدة المصرية سيزا قاسم (8 ديسمبر 1935 - 7 يناير 2024)

 

وأتوقف عند محطة من محطات الراحلة سيزا قاسم المهمة لتكريمها وهي التي لم تحظ بتقدير يذكر من المؤسسات الثقافية المصرية والعربية التي تكرم في المقابل بسخاء محمد رمضان ومن لف لفه لكنها تتجاهل عقولا ساهمت في بلورة الثقافة العربية المعاصرة. وأصد بذلك رسالة الدكتوراه التي أثارت ضجة في وقتها، قبل حذف صفحات الأدب من الصحف، وعندما كانت القضايا الأدبية والمعارك الفكرية تتصدر الصفحات الأولى في الجرائد.

رسالتها كانت بعنوان "بناء الرواية دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ"، وقد قلبت الدنيا كما يقال لأنها فتحت أبوابا جديدة لنقد الأدب العربي في السبعينات. وتزامنت هذه الرسالة مع اهتمام كبير من النقاد بالنظرية البنائية في إطار إقامة "قنطرة" - بتعبير الدكتور عبد السلام المسدي - بين الفكر اللغوي الحديث من جهة والتراث العربي من جانب آخر، فتضيئه بدلالات جديدة ومدهشة.

وتناولت سيزا ثلاثية نجيب محفوظ مع تطبيق نظرية البنائية. وعلقت الدكتورة سهير القلماوي على اختيارها لهذا الموضوع بأنه سيُقابل بالرفض من قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، حيث أنه لأول مرة في تاريخ الجامعة تتناول رسالة دكتوراه كتابا واحدا. ومن هنا اضطرت لتغيير عنوان الرسالة إلى "أثر الواقعية الفرنسية على الواقعية العربية" ووضعت الرسالة الثلاثية أمام الأعمال الروائية الأجنبية، وأظهرت كيف استفاد نجيب محفوظ من تلك الأعمال واستلهم من كافة الروايات التي قرأها، مثل استفادته من تيار الوعي حيث كان يصور ما يحدث داخل الشخصية من أفكار وتصورات؛ وهذا تحديدا لم يكن موجودا من قبل وكان مستلهما من الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف. كذلك الحوار غير المباشر الحر استلهمه من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير.

وأكدت هذه الرسالة القدر الكبير الذي استفاد منه نجيب محفوظ في الروايات والآداب الأجنبية وتسللت إلى أعماله بطريقة ذكية وغير مباشرة لتساهم في بناء أعماله الأدبية مثل حجر الأساس المتراص في تشييد أي مبنى.

وعندما ذهبت سيزا لمقابلة الأستاذ نجيب نقلت له ما رصدته في أعماله خاصة وجهات النظر المتعددة التي ينقلها من خلال كل شخصية دون أن تكون وجهة نظره بالضرورة ودون افتعال، مع تقديم مسح شامل لوجهات النظر الدائرة في المجتمع، ليخرج العمل كتحفة فنية.

وفرح الأستاذ نجيب المعروف بتواضعه الجم بهذا النقد، وظل يردد: " مش معقول هو أنا فعلا عملت كده؟!". لكن سيزا لم تكتف بهذا المدح في أسلوبه بل ذكرت أيضا اعتراضاتها، مشيرة إلى عدم سخاء لغة محفوظ. وأقامت مقارنة بين محفوظ والروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك؛ فبلزاك مثلا عندما يصف كرسي "فوتيه" يعرف كيف صُنع ونوع خشبه وكيف تم تنجيده ونوع قماشه أو جلده وغير ذلك من التفاصيل. أما محفوظ فلا يعرف مثل هذه التفاصيل والوصف لديه ليس بثراء الأدباء الأجانب، مع إن اللغة العربية ثرية جدا بمفرداتها.. هكذا تقول سيزا. وترى أن هذه المشكلة أثرت بعد ذلك على الأدب بصفة عامة وجعلت لغة الأدب العربي فقيرة ويمكن إحصاء الكلمات المستخدمة في العمل بسهولة رغم كون تراثنا غنيا جدا بالكلمات والمرادفات.

وهذا يعكس الفقر اللغوي هو فقر ذهني أيضا ونفسي وعاطفي واجتماعي. وتذكر أنه لو بحثنا عن عدد الكلمات التي تعبر عن الحب في اللغة العربية لأصابنا الذهول من كثرتها، لكن لا يستخدم منها سوى بضع كلمات تحصى على أصابع اليد.

كم استمتعت بحوار سيزا قاسم منذ شهور مع المثقف الكبير زين العابدين فؤاد من خلال قناته على موقع يوتيوب. وليتكم تستمتعون أيضا بمشاهدته وهو ما بقي منها حضورا "صوتا وصورة".  

سيزا قاسم كانت الشجاعة عنوانا لشخصيتها دائما، وفي نقدها تقف بندية أمام الكاتب لدرجة أنها تساءلت في أحد كتبها: هل كان نجيب محفوظ جبانًا؟ “ Naguib Mahfouz était il un lâche” ، وذلك عند تحليلها النقدي لمواقفه من ثورة يوليو وهو الذي كان يناصر الملك، ويميل لأفكار حزب الوفد الليبرالي.

استوقفني ردها مرة على أحد تلاميذها عندما دعاها للمشاركة في مؤتمر الرواية العربية بالعراق، قائلة: "كفاية كدة أنا خلّلت!" في إشارة إلى مسيرتها الطويلة. ليتنا نستفيد من هذا "الخل" المُعتّق في تثقيف الأجيال الشابة، وليتنا ننتبه قبل فوات الأوان لشخصيات مثلها أثرت حياتنا الأدبية والفكرية، ونراهم الآن في غربة داخل أوطانهم، رغم كونهم من يصنعون "أنس" الأوطان، لكن الشاشات والمنصات لا تحفل إلا بمن يخربون أوطاننا!

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment