السعودية قوة إقليمية قادرة على لعب دور مستقل في السياسة العالمية

12/31/2023 - 09:12 AM

Your Ad Here

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

اتجهت بريطانيا إلى خلق توازن إقليمي، فمنذ أن ضم الملك عبد العزيز الحجاز في 12 ديسمبر 1924 لتوحيد قلب الجزيرة العربية كما كانت في عهد دولة النبوة والدولة الأموية والعباسية، لجأت بريطانيا في المقابل إلى تسليم دولة الأحواز العربية إلى إيران في 1925، ثم استلمت الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية هذا التوازن الإقليمي الذي صنعته بريطانيا واستمرت في الحفاظ عليه.

 لكنها أثناء الحرب الباردة أرادت مواجهة ومحاصرة الاتحاد السوفيتي بمنظمات جهادية في أفغانستان وبثورة إسلامية في إيران إلى أن انتهت الحرب الباردة اتجهت إلى إحداث خلل في التوازن الإقليمي، وبدأت مرحلة تحجيم الدور السعودي الذي يمتلك أوراقا أكثر قوة من أوراق إيران، فلجأت إلى تعظيم قوة إيران، بدأتها بمرحلة إضعاف العراق البوابة الشرقية التي وقفت أمام تمدد إيران إلى البحر المتوسط، ورأت أمريكا في تحقيق أحلام تاريخية في إعادة الفردوس الفارسي رغم ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لا كسرى بعد اليوم حتى لو لبس المشروع لباس الدين والمذهب أو المتاجرة بالقضية الفلسطينية.

استثمرت أمريكا أن صدام حسين يود تعويض خسائره بعد الحرب التي استمرت ثمان سنوات مع إيران أضعفت المنطقة بشكل كامل، ويود صدام ضم الكويت التي جزء من الأحلام التاريخية للعراق، بالفعل أوحت له بغض الطرف إذا احتل الكويت، مما تسببت ليس فقط في بداية مرحلة إضعاف العراق بل في وقف التنمية في دول مجلس التعاون بسبب التكاليف العالية لتحرير الكويت لصالح تمدد إيران في المنطقة، خصوصا بعدما احتلت أمريكا العراق في 2003 ردا على أحداث 11 سبتمبر 2001 بالتعاون مع إيران، وتمكين المعارضة التابعة لإيران بالسيطرة على العراق من أجل السماح لإيران المرور عبر العراق، استكمل مشروع إيران بأحداث الربيع العربي في 2011 الذي ضرب المنطقة العربية ولم يتمكن عدد من القادة بشكل خاص في سوريا وليبيا واليمن التعامل مع هذا الحدث المفاجئ باقتدار كما تعاملت السعودية باحتواء تلك الثورات بل وتمكنت من حماية البحرين من إيران وإنقاذ مصر من فك الإخوان، فكان هناك حمل ثقيل على السعودية في الدفاع عن المنطقة العربية في جبهتين جبهة الملالي وجبهة الإخوان.

فشكلت تحالف للدفاع عن اليمن في 2015 بعد الاتفاق النووي في عهد أوباما مقابل غض الطرف عن النفوذ الإيراني، وبشكل خاص في اليمن الذي يعتبر جزء من أمنها، باعتبار اليمن يشرف على أهم الممرات المائية في العالم الذي يتصل بقناة السويس إلى أوروبا ويصل بين الشرق والغرب لتحقيق حلم تاريخي، ما يعني أن إيران تطبق على السعودية والمنطقة العربية عندما تصل إلى البحر المتوسط وتتحكم في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ما جعل السعودية تتجه نحو حماية ممرات البحر الأحمر فاتجهت إلى تشكيل تحالف بين الدول المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عمان في 2018.

أي أنه كان هناك تحالف باطني بين الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة في انتزاع الريادة والقيادة الإسلامية المطلقة من السعودية إلى مرحلة ما يسمى بإعادة تدوير الحرمين بعقد قمة إسلامية مصغرة بديلا لمنظمة التعاون الإسلامي في كوالالمبور بين تركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا، لكن ضغوط سعودية على باكستان وإندونيسيا أفشلت هذه القمة، وفي اليمن رفعت الولايات المتحدة الورقة الحمراء أمام التحالف بقيادة السعودية في تحرير الحديدة وإبعاد الحوثيين وكلاء إيران عن مضيق باب المندب، وسحب بايدن باتريوت مضادات الصواريخ البالستية من المنطقة، وأوقف الكونغرس تصدير الأسلحة الدقيقة للسعودية بحجة الحرب في اليمن.

بالطبع اتجهت السعودية إلى نزع التوترات في المنطقة خصوصا وأنها تمتلك رؤية تنموية شرق أوسطية لضم جميع الدول تستدعي التهدئة لتحقيق هذه الرؤية أي اندماج إقليمي للاستثمار في البنى التحتية واللوجستيات، رغم عقد خمس جولات بين السعودية وإيران برعاية بغداد وبوساطة عمانية في أبريل 2021 باعتبار أن السلطان هيثم الذي استلم السلطة في يناير 2020 لم يخف اقامة علاقات وثيقة مع السعودية ودولة الإمارات، لكن السعودية لم تجد في تلك المفاوضات ما يضمنها.

بالطبع تدرك السعودية أن واشنطن لا تملك خطة واضحة للأمن الإقليمي، وهي تهدف إلى ضمان أمنها، فاتجهت إلى بكين لرعاية تلك المفاوضات وفي اليوم الخامس أبلغت السعودية أمريكا بعدما توصلت مع إيران برعاية بكين في 10 مارس 2023 التوصل إلى تهدئة بينها وبين إيران كان له صدى مدويا لما له تأثير على التوازنات الجيوسياسية التي تضع القوتين الولايات المتحدة والصين في مواجهة مع بعضهما البعض في منطقة مشحونة بالتوترات، حيث لا يزال الملف النووي يشكل مأزقا عصيا على الحل، وفي نفس الوقت توقفت الاحتجاجات ما تسمى بثورة النساء في إيران في سبتمبر 2022 التي وصلت الاحتجاجات إلى المناطق الكردية والبلوشية الواقعة على الأطراف التي تدعي إيران أن السعودية تدعم تلك الاحتجاجات في المناطق السنية، مما سرعت تلك الاحتجاجات في إنجاح المفاوضات.

بالطبع أصبحت إدارة بايدن أمام ضغط شديد، لكن السعودية اتجهت إلى تحقيق التوازن بين الشرق والغرب فكما أقامت تحالف مع بوتين في ملف الطاقة دعت زيلنسكي إلى القمة العربية، أي أن السعودية اتجهت نحو تحقيق مصالحها أولا وإذا اتجهت نحو 360 درجة نحو الصين وروسيا، لكنها في نفس الوقت لم تخسر الولايات المتحدة، فعقدت صفقة ما تسمى بالحوت الأبيض بينها وبين الولايات المتحدة في صفقة ضخمة في 13 مارس 2023 على طائرات البوينج بنحو 37 مليار دولار بعدما أفرجت الولايات المتحدة عن بيع الأسلحة للسعودية لنحو 123 طائرة بوينج، بالإضافة إلى العديد من عقود التسليح المبرمة مع واشنطن في أعقاب زيارة بايدن للسعودية في 15 يوليو 2022 من أجل طمأنة الشريك الأمريكي.

 الاتفاقية بين الرياض وإيران برعاية بكين تهدف إلى تغيير الشرق الأوسط من خلال إعادة تنظيم قوتيهما الرئيسيتين واستبدال التوتر السعودي الإيراني بشبكة جديدة من العلاقات وربط المنطقة بطموحات الصين العالمية أكبر شريك تجاري للمنطقة، ويصب هذا الاتفاق لصالح بكين في تنافسها الجيوسياسي مع واشنطن، لكن السعودية في المقابل وافقت على الانضمام إلى الممر الهندي الإسرائيلي الأوروبي ممر الطاقة التقليدية والأخضر والكيبلات بشرط أن تقيم إسرائيل دولة فلسطينية من أجل وقف التوتر في المنطقة على غرار التهدئة مع إيران.

 فالسعودية ليست تابعا لأحد فيما هي قوة إقليمية قادرة على لعب دور مستقل في السياسة العالمية، وترى أنها تلعب دورا حاسما ومتوازنا بين دول المنطقة لحماية أمنها وممارسة نفوذها الإقليمي لما تمتلكه من مقومات جيوسياسية وجيوستراتيجية.

استطاعت السعودية كسر الخطة الأمريكية في إدامة الصراع في المنطقة وجعل الحوثي خنجر في خاصرة السعودية، وأدركت أمريكا أن السعودية كانت على حق في إبعاد الحوثي عن أهم ممر مائي هي اليوم تحشد في مضيق باب المندب ليس فقط لمواجهة الحوثي بل أيضا باعتبار باب المندب منطقة ارتكاز لها أهمية مستقبلية تود أمريكا السيطرة عليها للتحكم في إمدادات الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، رفضت السعودية الانضمام إلى هذا التحشيد والتوحد خلف قيادتها لمحاربة إيران وهو نهج عفا عليه الزمن ولا يتماشى مع السعودية كقوة إقليمية فاعلة وحتى لا تتأثر علاقتها مع إيران التي ضمنتها بكين، وفي نفس الوقت أصبحت إيران أسيرة ديناميكيات جيوسياسية متضاربة في الشرق الأوسط إذ تحاول الانتقال في مواقفها تجاه خفض التصعيد الإقليمي والصراعات التي تتكشف في الشرق الأوسط لكنها تحاول الاستدارة وضبط سلوكها خصوصا مع السعودية التي ترفض السعودية هي الأخرى الاصطفاف في أي محاور ضدها.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

           [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment