من يضع العصا في دواليب الملاحة في مضيق باب المندب؟

12/23/2023 - 19:16 PM

Your Ad Here

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

تنبهت السعودية أن هناك أخطارا كانت تتربص باليمن والمنطقة لو قدر لمليشيات الحوثي أن تسيطر على كامل اليمن، فعملت على وضع استراتيجية شاملة حول اليمن، وقررت التدخل بعاصفة الحزم في 2015 لفرض واقع لا يمكن للحوثي أن يتخطاه، وكان في صلب تلك الاستراتيجية مضيق باب المندب الذي يربط شرق العالم بغربه، وتمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية أي نحو 17 ألف سفينة وشاحنة سنويا، وكان ثمة خوف كبير من وقوع هذا المضيق في يد تلك المليشيا، ما يجعل لها القدرة على التحكم بحركة السفن التي تمر عبره، ويمثل هبة الحياة بالنسبة لقناة السويس التي تدر على مصر نحو 9.5 مليار دولار سنويا.

تعامل العالم مع مليشيا الحوثي كقوة إرهابية معتدلة على الدولة اليمنية تجلى ذلك في القرار رقم 2216 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في 14 إبريل 2015 وهو يطالب الحوثيين بالقيام بعدد من الخطوات بصورة عاجلة دون قيد أو شرط وهو الكف عن اللجوء للعنف وسحب قوتهم من جميع المناطق التي سيطروا عليها في وقت سابق بما في ذلك العاصمة صنعاء والاعتراف بالحكومة اليمنية الشرعية، ولا يزال هذا القرار هو المعبر عن الموقف الدولي تجاه ما يجري في اليمن، وفشل الحوثيون لاتخاذ قرار يعترف لهم بالشرعية لكن دون جدوى، لأن الدول الكبرى لا يمكن أن تقبل بمنطق الغزو والاحتلال، وليس أمام جماعة الحوثي سوى الاعتراف بالقرار 2216 والمسارعة إلى تنفيذه عبر انسحابهم من المدن ولا سيما من صنعاء وتسليم الدولة إلى الحكومة الشرعية.

لكن للولايات المتحدة مصالح وتقاطعات مع إيران من أجل التوصل إلى اتفاق نووي خصوصا بعد مجئ بايدن فيما حاول التحالف بقيادة السعودية إبعاد مليشيا الحوثي عن الحديدة لقطع الشريان الذي يستفيد منه الحوثي وتهديد الملاحة البحرية في مايو 2018 وتحرير الحديدة التي سيطرت مليشيا الحوثي عليها عام 2015، وبحجة تدمير البنية التحتية للميناء تم استبدال تحرير الحديدة باتفاق استكهولم في 13 ديسمبر 2018 واستمر الحوثي مسيطرا على الحديدة، وقرر مجلس الشيوخ الأمريكي وقف الدعم العسكري للسعودية وهو قرار غير ملزم.

تعرضت البارجة الأميركية يو أس ماسون في 10 أكتوبر 2016 لمحاولة هجوم صاروخي فاشلة قبالة ميناء المخا في 13 أكتوبر دمرت ضربات صاروخية أميركية مواقع للرادار تحت سيطرة الحوثيين، استمرت الهجمات الحوثية لفرقاطات سعودية وناقلات نفطية وإماراتية وتعرضت المنشآت السعودية والإماراتية الحيوية والمدنية في 14 سبتمبر 2019 وتوقف نصف الإنتاج النفطي السعودي.

هل تتعمد طهران فتح جبهة جديدة في الجنوب نيابة عن الصين وروسيا وجعل الحوثي يهدد الممر الملاحي الذي تمر عبره 17 ألف سفينة شحن وناقلة نفط سنويا لاختبار واشنطن وهو لا يقل عن زمن ريغان عام 1988 حين أصيبت الفرقاطة الأميركية صاموئيل روبرتسون بلغم بحري إيراني، لكن هذه المرة الهجمات تأتي من خلال الوكيل الحوثي، ما جعل الرئيس ريغان القيام بعملية عسكرية ضد إيران.

 فهل تقوم إدارة بايدن بعملية عسكرية ضد قدرات الحوثي في عملية جراحية محدودة، لكن الحوثي على لسان عبد السلام يعلن أن الحوثيين لا يستهدفون سوى السفن المتجهة إلى إسرائيل، لكنه لم يتعرض للسفن الروسية المتجهة إلى إسرائيل ولا الصينية خصوصا ونحن نرى أن أمريكا قد تحشد للردع وقد تقوم بعمليات جراحية محدودة، رغم ذلك من عادة الولايات المتحدة استثمار الأزمات، فطلبت من السعودية الانضمام لتحالف لردع الحوثي، لكن ردت السعودية إذا أوقفت إسرائيل النار فورا فسيتوقف الحوثي، خصوصا وأنها تسعى نحو قيادة مرحلة سياسية بين الحوثي والشرعية اليمنية، وهناك محاولات للتوقيع على مسودة اتفاق بين الجانبين على ثلاث مراحل وفق مساع أممية الرامية إلى البناء على جهود السعودية وعمان للتوصل إلى اتفاق لوقف شامل للنار وتخفيف معاناة اليمنيين، وإحياء مسار السلام وفق المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، ولا تود السعودية مزيد من التوتر في المنطقة، وطالبت الولايات المتحدة بضبط النفس.

لكن في المقابل قام عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي بمعية وزير الدفاع محسن الداعري بزيارة لمديرية باب المندب وجزيرة ميون اليمنية في البحر الأحمر تحمل الزيارة رسالتين الأولى أن هذه المناطق الحيوية الواقعة في احد ممرات الشحن والتجارة الدولية المهمة في العالم، تمثل جزءا سياديا من الوطن وسوف تتم حمايته والدفاع عنه بقوة، وكانت الرسالة الثانية أن وصول النائب لجزيرة ميون وباب المندب رسالة بأن الحكومة الشرعية جزء من المجتمعين الإقليمي والدولي، وتمثل جزء من الأمن القومي العربي والعمل مع دول التحالف على حماية هذه المناطق ودرء أي مخاطر تهددها وهو ممر ينقل 7.8 مليون برميل من النفط يوميا في 2023 ارتفاعا من 6.6 مليون برميل نفط يوميا في 2022 وفقا لتحليلات شركة النفط فورتيكسا.

 وبعد تلك التهديدات ارتفعت تكاليف نقل النفط إلى أوروبا 25 في المائة بسبب أنها اتجهت نحو رأس الرجاء الصالح، فالحكومة الشرعية رغم أنها أعلنت لن تشارك في أي قوة متعددة الجنسيات لردع الحوثي لكنها تدعم التحركات الدولية وفي نفس الوقت تحمل المجتمع الدولي نتيجة ما آلت إليه الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، حيث وقفت كبريات الدول في 2018 أمام مساعي تحرير الحديدة وبقية السواحل من قبضة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

اطلاق المجال لتعدد التحالفات في المنطقة يحمل هدف أكبر من مجرد التصدي لعمليات الحوثي التي تستهدف سفنا متجهة إلى إسرائيل، وسبق أن تعرضت المنطقة في سنوات سابقة لخطر القرصنة لم يستدع هذا التحرك العاجل والمكثف من جانب واشنطن، ففي 2019 تشكل تحالف بحري باسم سانتينال بهدف تأمين المياه الإقليمية بعد سلسلة هجمات إيرانية استهدفت ناقلات نفط وسفنا تجارية في الخليج العربي وخليج عمان، كما تعمل في المنطقة فرقة العمل المشتركة 153 التي تأسست في أبريل 2022 وتختص بالأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وتضم 39 دولة عضوا ويقع مقرها في البحرين، وفي منتصف ديسمبر 2022 أعلنت مصر تولي القوات البحرية المصرية قيادة قوة المهام المشتركة، وتولت الولايات المتحدة قيادة تلك القوة اعتبارا من 12 يونيو 2023.

 فتشكيل تحالف جديد في ظل وجود تشكيلات عاملة في المنطقة يثير الكثير من الإشكاليات، ما يعني أن التحالف الجديد حماية أمن إسرائيل فقط، ما يجعل أي دولة عربية تشارك فيه أمام ضغط الرأي العام خصوصا في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على شعب غزة، وفي نفس الوقت يدخل التحالف في مواجهة مع إيران وأذرعها وهو ما يتعارض مع مصلحة الدول العربية وبشكل خاص بعد التهدئة بين السعودية وإيران برعاية بكين.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment