غداً يولد المسيح! غداً يولد الفرح! غداً يولد الحبّ! غداً يفرح الكون ويردّد وُلِدَ المسيح هلّلويا!
غداً؟ وما أدراك من غداً؟ غداً ليلةَ الرابع والعشرين من كانون الأول تُزهِرُ الأرض ويُنمحى البغض وتُبطَل الحرب وينبُتُ الحبّ! غداً، ليلة الميلاد، غداً يولد طفلٌ بمزودٍ صغيرٍ! غداً يأتي هذا الطفل ينشر السلام في القلوب، غداً يولد يسوع! يسوع الذي وُلِدَ من أجلِنا، يسوع الذي وُلِدَ صديقاً لنا، روحاً معلّقة بروحنا، وقلباً نهفو اليه في أفراحنا وأتراحنا! يسوع الذي وُلِدَ من رحم الحبّ، جاء يسكن قلوبنا في كلَّ مراحل وجودنا على هذه الأرض! فيسوع حاضرٌ في كلّ لحظةٍ، حاضرٌ في منزلنا، حاضرٌ على طاولةِ الطعام، حاضرٌ في الأيام، حاضرٌ في جميع الأوقات، حاضرٌ في كلّ المراحل، حاضرٌ عندما نتكلّم، حاضرٌ في أوقاتنا التي نقضيها مع أحبائنا وأصدقائنا وأهلنا وجميع من نقابلهم، حاضرٌ في كلَّ خطوةٍ نمشيها! يسوع هوذاك الحبّ المنتشر في منزلنا، في أرجائِهِ، يسوع هو" الحب المالي بيتنا " و" الحنان المدفينا "، يسوع هو ذاك اللحاف الذي يغطّينا فيمدّنا بالدفء والهدوء وينسينا مرَّ ما احتسيناه، ومرّ ما تذوقناه، ومرّ ما هدرناه! إنّه يسوع " حبّ في طبيعته "
نعم! غداً يولد يسوع! لكنّ الزمن ليس زمن ميلاد! أراه زمناً تطغى فيه الأنانية! أراه زمنا تطغى فيه المصلحة العامة! زمناً تتبعثر الألسنة في وصفه، فهوزمنُ الحزن والخبث بكلَّ ما لها الكلمة من معنى! فنحن عندما نسقي عطشانَ كأسَ ماء نكون في الميلاد، وعندما نكسي عريان ثوبَ حبّ نكون في الميلاد، وعندما نكفكف الدموع نكون في الميلاد، وعندما نقبلّ رفيقنا دون غش نكون في الميلاد، وعندما تموت فينا روح الإنتقام نكون في الميلاد، وعندما يرمد في قلوبنا الجفا نكون في الميلاد، عندما تذوب نفسنا في كيان الله نكون في الميلاد، وعندما نشعر بوجود يسوع نكون في الميلاد! لكنّ نحن الآن لسنا في الميلاد، فأنانيتنا تمنعنا من أن نشعر بوجود الله معنا، أن نسقي العطشان ونكسي العريان ونكفكف الدموع ونفرش الرجاء ونقبلّ الأصدقاء وندفن روح الانتقام المهيمنة على ذاتنا، ونطفئ شعلة الجفاء المستقرّة في أرواحنا، ونستسلم لإرادة الله وكيانه واختياراته وتوجيهاته!
نحن سُرِقَ منا زمن الميلاد وكانت صادقة ميّادة الحناوي عندما غنّت " كان يا ما كان الحبّ مالي بيتنا ومدفينا الحنان " فكم كانت تتألم وكم أنا أتألم كلّما أسمع هذه الأغنية تردّدها الأجيال معبرّة عن ألمُها فأغرق في جمال صوتِها وفي عيونِها المزركشة من التعب والإرهاق والكلام، وكم يتألم قلمي الآن وتتدحرج مشاعري بين السطور حيثُ أعلن عن شبحاً يسكن بداخلي وبداخلِ جميع أشقائي في لبنان، ويجعلنا نرى الشرور تتكاثف أمام أعيننا، شرّاً ما بعده شر، ولا أدري لماذا نحن بالظبط ؟.
لا أدري لماذا كلَّ عدويتربص لوطننا ناشراً شرّه في أنحائِهِ الساحرة، وصانعاً الغبار على صورتِهِ التي وّلدها الله على صورتِهِ ومثالِهِ فأزهرت كل ما فيه من جمال وطبيعة ونور وصدق وأمل وطمأنينة، لا أدري ما هذه القوّة المهيمنة التي تُخبِرُ أبناءُ الأصل فسادَ القيم وتصنع منهم أبناءَ الخبث، تنسيهم روحَ الله في داخلهم! حقاً، فإنّها قوّة مهيمنة! فكيف استطاع رؤوس الأحزاب والشركات الكبرى وأصحاب المال أن يسيطروا على العيون الصادقة والقلوب المنّعمة بالخير ؟
كيف استطاعوا أن يفجّروا قنبلةَ الفساد في بلد الطهر، في بلدِ القديسين، في بلدٍ عنوانه " الأصل والكرامة والضمير " في بلدٍ كان منبراً للحريّة، وأصبح منبراً للرشاوى ؟ كيف استطاعوا أن يفقدوا ضمير الأطبّاء في علاج المرضى، فزرعوا في أذهانهم حبَّ المادّة وأنسوهم رسالة الله ؟
كيف استطاعوا أن يفقدوا انسانيةَ التجارّ، فيزرعوا في أذهانهم حبّ الإحتكار، وينسوهم أنَّ الخبز هوجسد المسيح والجميع يحتاجه ويدفعونهم لبيعه فقط في حالة الغلاء ؟ ماذا يريدون ؟ فلم يتركوا انساناً متحلّياً بإنسانيته، ولا حتى بمزاياه الخلقية ولا حتى بطباعه، ولا بدروسه الأولى التي علمتّه إيّاها أرضه! أبدلوا كلَّ شيء، العيد أبدلوه بالدفن، الروح أبدلوها بالمادّة، التسامح أبدلوه بالتنافس، الطمأنينة أبدلوها بالقلق! بسببهم لم تعد فرحة العيد ولادة العيد بل أصبحت ولادة المال! بسببهم المؤمن ضربته موجة من الهلاك تجعله كلّما دخل إلى بيت الرب، يشعر بالملل والإرهاق! بسببهم لم تعد ابتسامةَ الإنسان ابتسامةَ صدقٍ، بل أصبحت ابتسامة كذبٍ، ولا أحد يركض إلاّ من أجل خدمة مصالحه!
هؤلاء هم الفاسدون، أصحاب الرؤساء الكبيرة، هؤلاء هم الزمان الذي زارنا وسرق من منازلنا الفرح، والراحة والآمان، هم الزمان التي تكلّمت عنه ميّادة الحنّاوي، فأغنيتها تطبّق على أغنية وضعنا الحالي!
غداً! سأجلسُ أمام المغارة، الملّونة بكمال الصدق، سأجلس أناجي يسوع، أنظر إليه في كلَّ حبًّ فهل يمكن لأحد أن يشاهده وينظر إليه ببغض؟ سأجلس أناجيه، أخبره عن حالنا، سأهنئّ مريم ويوسف بولادة العيد.
غداً سيأتي يسوع الذي يسكن في داخلنا، سيولد بمزودٍ صغير، سيولد يشاهد كيف تنتشر في لبناننا شوائب الدنيا وتختار مكاناً واحداً للعيش " لبناننا " سأناجيه وأتمنى في كلَّ دقيقة أن يوّجه ضربةً قاسيةً حبيّةً لكلّ من تخلّى عنه وأصبحت عينيه معصوبتين من رؤيته، كي يعيد النظر إليه وكي تخرج منه روحَ الأنانية، كي يشعر بوجوده في كلَّ مكانٍ!
لرّبما العام المقبل، يتحسّن الحال، نشعر بفرحة العيد الحقيقية، ولرّبما تعيد لنا الأيام ما حرقه الزمان وما سرقه منّا، لكن الأيام لن تخدم إلاّ إذا نحن خدمنا خيرنا، فلننّقِ قلوبنا، فلا نحتاج شيء، نحن لبنانيون، طاهرون! فلننّقِ قلوبنا فوطننا يغمره القديسين ويغمرنا جميعنا ولا يحتاج منّنا إلاّ حبًّ ومحافظةٍ! فلننّقِ قلوبنا لأجلِ الإيمان، لأجلِ يسوع المسيح! ولنبقَ كالطفل الذي لا يعرف إلاّ براءةً وابتسامةً وحبّاً واحتضاناً!











12/23/2023 - 18:20 PM





Comments