شجرة الأمنيات

12/20/2023 - 12:06 PM

A

 

 

مارفن عجور

 

كانت الأجواء هادئة ولحاف السلام يغطّي الأرض، فيغمرها بالأمان ويعطيها نوراً ترى فيه الحياة. كانت ضحكات الأطفال مشرقة على وجوههم. الكبار، منهم من كان يعمل، ومنهم من كان يقضي وقتَهُ في فعلِ شيءٍ ما. كانت العائلات تترعرع في منزلها، فتشعر في الطمأنينة والراحة، تبتعد عن شوائب ومساوئ الدنيا، وتسافر إلى عالم خالٍ من الشرور، التلامذة على مقاعد الدراسة يخضعون لاختبارات، وينّمون عقولَهم في العلم والثقافة، فتُسقى زهرة معرفتهم وتكبر ويُصبِح باستطاعتها أن تعبّر، تشارك، تنجح وتُبدع.

في المستشفيات، مرضى يعانون، في الوقت عينه، مرضى أبلغهم الطبيب شفاءَهُم فملأتهم السعادة، أمّهات حملن أطفالهّن تسعة أشهرٍ وأتين إلى المستشفى كي ينجبن وكانت فرحتهم كبيرة. كلَّ هذا كان يحدث، في كلَّ دقيقةٍ كان يحدث، كانت الحياة طبيعية ولحن الحياة كان ملّون بالأبيض، كانت الأغاني حيّة، تعبّر عن فرحٍ وأملٍ. كانت ضغوطات الحياة مستمرّة لا تنتهي، لكنّ وعلى الرغم من الإرهاق والضغوطات المتواصلة كان أهلُ الأرضِ يعلمونَ أنهّم لا يزالون على قيد الحياة.

إلاّ وقد مرّت بعضَ الأيام، وفجأةً بردت الأرض، غطاها لحاف القلق، قصفها العدو، لم يترك منها جمالاً بل أمحى كلّ جميل، ماذا بقيَ من فلسطين؟ لَمْ يبقَ سوى الدمار، لم يبقَ سوى آمالاً مكتوبةً على أوراقٍ مزّقتها الوحوش، حتى الآمال مزّقت، آمال كانت تحاكي الأحلام، كانت تحاكي المستقبل، والآن عن أيَّ مستقبلٍ قد تُكتَبْ الآمال؟ فيما القلب توّقف عن نبضِ الحياة!

لَمْ يبقَ سوى الآمال الممزّقة فقط للذكرى، لَم يبقَ سوى الآمال الممزّقة لنشرِها على وسائل التواصل الإجتماعي كي يتذكّرها المتفاعل، كي يعلم أنَّ أهلَ فلسطين آمالهم تفوق الحدود، آمالهم كثيرة، وهم للعلمِ والعملِ والجهد وللعمار والتجديد والبناء وُلِدوا!

آمالهم كانت أكبر من أن يتمنوا العيشَ، أن يتمنوا الحياة، لكن للأسف تمنّوها، تمنّوها بعدَ أن غرقوا بموجة البرد الشديد التي غزت بلدهم وسيطرت على قلوبهم؛ ومنعت عنهم الدفء، إلى أن ألفظتهم أنفساهم الأخيرة وقتلتهم بطاقتها التي لا ترحم! 

وما هي الموجة إلاَّ قصفٍ وحشٍ طالَ المستشفيات بكاملها في جميع مناطق فلسطين وأراضيها، قصف وّلدَ المجازر، الأطفال الحديثي الولادة ما إن وُلدوا حتى توّفوا في تاريخ ولادتهم فماذا رأوا من الحياة؟ صغار وكبار وكبار السن وشبّان وشابّات كانوا داخل المستشفى، يطبّبّهم الحكماء، وما كان وجعهم إلاَّ مرضٍ حتى أن أصبح يحكمهم مرضان، والمرض الثاني مرضٌ قاتلٌ، مرضٌ أصاب الكثيرين من قبل ولا يزال يوّجه ضرباتَهُ الوحشة " مرض الحرب"، الذي يقتل بسرعة هائلة، ولا تستطيع الخضوع فيه إلى الطبابة وأخذ الدواء.

وقد سببّ هذا المرض بوفاةِ من كانوا داخل المستشفى على الفور وراحوا ضحية ما لا ذنب لهم فيه، طالهم القصف العدائي ففجرّهم، سكنوا تحت الأنقاض، ولحظة انتشالهم، انتشلوا أشلاءً فانتهت حياتهم على الفور، انتشلوا وجوهاً حمراءَ يغطّي الدماء وجوههم، دماء الظلم والبئس، انتشلوا وانتشلت معهم أوراقاً، ورسائلاً تملأوها الأمنيات، الأمنيات البسيطة التي أمنيةً ما بعدَها أمنيةً، صنعت شجرة أمنياتٍ، شجرة تشرح كم هو رخيصٌ الإنسان في العالم الأناني، شجرة معلّق عليها عبارات كُتِبَت بيراعٍ مرتجفةٍ، يراعٍ صامتةٍ، منصدمةٍ، متفاجئةٍ، يراعٍ كتبت عبارات صلاة ودعوات وتمنّيات وكفاح، يراعٍ كتبت أمنيات لم تتوّقع يوماً أن تخطّها، كتبت أمنيات العيش، أن تعيش ولو للحظة، وهكذا كبرت شجرة الأمنيات سقاها الألم، كبرت بفضلِ الوحش الذي جاء يغزو كلَّ الأراضي الفلسطينية...

نَعَم هكذا تغلّب العدو على خصمِهِ، بفضلِهِ تدمرّت جميع المستشفيات، بفضلِهِ دُّمَّرَّتْ فرحة الأمَّ والأبَّ بمولودهما الجديد، اللذين كانا ينتظران تلك اللحظة على أحرَّ من الجمر، وعندما دخلا إلى المستشفى لإنجاب الطفل لم يتكمنا من أن يعيشا هذه اللحظات البريئة ولو لدقيقةٍ واحدةٍ، لم يتمكنا من رؤية ولدهما، يلمسان رأسَهُ، يران ضحكته، يدخلان في موجةِ فرحِ مجيئهِ إلى هذه الدنيا، كانا أقوياء، كالصخر، كانا يتحضرّان لإخباره أنّهُّ سيعيش محميًّا طوالَ أيام حياته على الرغم من القلق الذي يراود بلده.

من تبلّغَّ خبرَ شفائِهِ وفرح بخروجه من المستشفى، لم يستطع الخروج، بل نَزِلَ إلى الظلام، وعندَ انتشاله، رَحَلَ إلى مثواه الأخير، عاد ومُرِض وقُتِلَ من خَرَج من منزله يوم القصف، للإحتماء في جدران المستشفيات، لَمْ يكن قدره راحماً، بل إنضم إلى قافلة ضحايا تفجير المستشفيات، ومن القلق، لجأ إلى القلق وباستشهاده، برهنَ أن لا أمان في فلسطين، برهنَ أن القلق في فلسطين قلقٌ أزليٌّ، سرمدّيٌّ

 كلُّ تلكَ الأحداث في المستشفيات وُّثَّقَّتْ مباشرةً على الهواء، لا أنسى كم كانت المشهديةُ قاسيةٌ، لا أنسى وأنا أشاهدُ الأطفالَ كيف كانت ترمى وتُدفن جثةً ما فوقها جثةً فتُصبح ألفَ جثة واثنين وثلاثة آلاف، لا أنسى كم شعرت برخص الإنسان في وطنِهِ، في عالمِهِ، لا أنسى كم شعرت خسارة الإنسان انسانيتَهُ وفقدانه قيمه!

الأسئلة كانت تدور في رأسي: ألمّ يحّنّ العدو ولوقلبه كان بالقساوة مفعّماً؟ ألم يدرك أنَّ الذنب ليسَ ذنب الربيع؟ والإجابات كانت تزداد: لاااا.. العدو لا يرحم، لا يقبل في قاموسِهِ كلمةَ "ذنب"، يريدُ أن يطال الجميع، أن يحاسب الجميع، أن يقتل الجميع، أن يذبح ثمارَ النقاء، ويُذبلَ ورود الطهر!.

وهكذا كانت أجواء الموجة في المستشفيات، أمّا في المنازل الفلسطينية فالوضعُ لا يختلف. لكنّ الصعب كان هوالموت في موقع الحياة! فالمنازل كانت عامرة بحياةِ سكانّها لتُصبِح عامرة بموتِهم، فإن القصف قد أسقط المنازل على رأس أرض فلسطين، فجرّ الأرض وفجرّ المنازل وسُجِنَ السكّان في زنزانة منعزلة عن الأوكسجين، زنزانة تقتلك بسرعة، إنّها زنزانة العقم والرعب! زنزانة الأنقاض، زنزانة فيها تكوّنت أشجاراً لا تعدّ ولا تُحصى من الأمنيات، أشجاراً سُقيَت بالدموع والخوف والإرتعاش، إرتعاش أهل فلسطين، دموعهم وخوفهم، سُقيت بآمالهم، أمنياتهم " لا نريد الموت الآن، إننّا نريدُ الحياة "، " أنقذونا من نهر الرماد، نحن نريد البقاء " وهكذا دواليك، إزدادت العبارات، كثُرَت، فيما المنازل لم يبقَ منها زاويةَ بهجةٍ، ماذا نقول بعد؟

فإن الدمّية الجميلة التي اعتنت فيها هذه الطفلة عنوان السحر، بكت وأمطرت عيونها دموعَ الشوق، أضاعت نفسها تبحثُ عن صاحبتها! هذه الصور المعلّقة على الجدران التي فيها ذكريات كثيرة وّلدتها الأيام، تدمرّت، تمزّقت، والصورة التي تحاكي الكثير من الفرح، حاكت الكثير من الحزن في سقوطها. هذا المكان الصغير في المنزل الذي يجتمع فيه أهلَهُ لا ندري أين ضاع! فإن كراسيه الخالدة وطاولته، وتلفازه تفرّقوا ولَم يتواجدوا! وإن الجدران التي فيها يحتمي المنزل، طارت وأزيلت ببريقِ القصفِ! ومرّة أخرى نقول: ماذا بعد؟! فعظيمٌ هذا العدّو يقتل الأرواح ويقتل معها الكثير..! عظيمةٌ هي تلك الجريمة القاتلة للحظات الحبّ والزارعة لرماد الضغينة!.

سلاحُكِ يا فلسطين التي تحملينه أينما ذهبتي، يحاربه سلاحاً آخراً، لكنّ نحن في العالم كلّه أخوتك يا أرضَ الوفاء، لن نترككي، مؤمنين بِكِ إيماناً شديداً بأنّك ستعودين! 

فلسطين يا أرضَ الشهداء، يا أرضَ التراب، ستظلّين ينبوع يسقي الحرّية والكرامة والقوّة ! فأنتِ يا فلسطين عنوان القوّة ! وإنَّ محمود درويش يا فلسطين إبنٌكِ إسمعي ماذا قالَ عن شعبك: 

سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدس، كلما وجد الفقير عشاءه.. سنصير شعباً حين نشتم حاجب السلطان والسلطان، دون محاكمة.

سأصير يوماً ما أريد.. سأصير يوماً طائراً، وأسل من عدمي وجودي.. كلما احترق الجناحان اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من الرماد.. 

يا فلسطين ستتوّحدين، ستنتصرين، ستكونين! فقط لا تستسلمي لومهما ضربتك أنواء عاتية! 

يا فلسطين أمنياتك كثيرة فكلّنا نعلم! وإن شجرة الأمنيات التي سقاها ألمك، بالتأكيد، سيُستبدل في يوم الألم بالأمل ويُصبح لدينا " شجرة أمنيات ".

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment