بقلم: ألفة السلامي
السياحة عروس العالم، ضاقت ذرعا بفوضى الأوضاع التي لا تلبث أن تفسدَ عرسها. وكلما تتعافى وتستعد لارتداء ثوب العرس البهيّ تباغتها الحروب والأزمات من جديد، وكأن "قوى الشر" من تجار السلاح والأدوية إلى سماسرة السياسة يتحالفون ضدها. الحرب ضد الفرح والحب والثقافة والألوان؛ إنها لا تعرف غير لون واحد هو لون الدم والدمار!
هجمت الجائحة كالوحش المفترس ومعها الرعب من السفر، ثم لاحقتها صدمة الحرب الأوكرانية. وما أن استعد الجميع لسرقة إجازة بين هذه الفوضى المحيطة بهم حتى اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة لتتطاير أشلاء الفلسطينيين كالقطط المذبوحة، فعادت العروس إلى بؤسها وقد انتزعت الحرب بهجتها فلا وقت للفرح في مدن تنتهك فيها الأنفس والأعراض والأديان.
هذا حال السياحة في عرسها الذي لا يأتي وقد يتحول في أي لحظة لموكب يُزفُّ فيه العروس والعريس إلى الشهادة. وهو حال يعكس الثنائية التي لا تجتمع؛ ثنائية السياحة والحرب. وعلى الرغم من ذلك فإن التوق للسياحة في زمن الحرب يزداد ويتحول إلى احتياج وضرورة لإفراغ ما امتلأ به القلب من حزن ولتضميد الجراح التي تستعصي على العلاج.
ويشكل استمرار الحرب على غزة تحديًا أمام استمرار تدفقات السياحة التي كانت قد حققت نموا خلال العام الجاري، خاصة في بلدان مثل مصر، والأردن، ولبنان التي تعتمد إلى حد كبير على عائدات السياحة لتمويل خزينتها. ومن هذا المنبر "بيروت تايمز" أدعو الجاليات العربية وأصدقائها في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا إلى أن تكون البلدان العربية هي المقصد السياحي القادم لرحلاتهم، ولن يندموا بل سيقضون وقتا ممتعا في أجواء مليئة بالدفء والمناظر الخلابة، كما أن جيبهم سيشكرهم لأن تكلفة الرحلة ستكون زهيدة.
منطقة الشرق الأوسط تحديدًا بها جاليات بالملايين في أوروبا وأمريكا ويمكن أن يشكلوا حافزا لاستمرار النمو لهذه العروس الجريحة. وكانت المنطقة قد شهدت نموا في السياحة بنسبة تصل إلى 15% في أعداد الوافدين لتتجاوز معدلات ما قبل جائحة كورونا، بحسب بيانات منظمة السياحة العالمية. ونجحت المنطقة العربية، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023، في تجاوز أرقام المداخيل السياحية لما قبل الجائحة بأكثر من 20%. ويعزى هذا النجاح إلى تسهيل الحصول على تأشيرات الدخول للعديد من دول المنطقة، إلى جانب الاستثمارات في المشاريع السياحية الجديدة واستضافة الأحداث الهامة.
وجذبت مصر نحو 13 مليون سائح خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بعائدات 12 مليار دولار وبزيادة 15% عن العام الماضي، مع توقعات بزيادة السياح إلى نحو 15 مليون سائح بنهاية 2023، دون تغيير عن المستهدف منذ بداية العام، بحسب نائبة وزير السياحة غادة شلبي. لكن شركة فوروردكييز التي تحلل بيانات السفر تتوقع خلال الكريسماس وأعياد رأس السنة أن يؤدي استمرار الحرب ضد غزة إلى تغيير رياح وجهات السفر المعتادة في المنطقة إلى وجهات أخرى في جنوب أوروبا مثل إسبانيا والبرتغال، وكذلك المغرب وتونس البعيدتين نسبيا عن تلك التوترات.
الأردن حققت عائدات سياحية قدرها 5.8 مليار دولار بنسبة نمو 110.5 ٪ عن مستويات عام 2021، وفق بيانات البنك المركزي الأردني. وفي لبنان تجاوز عدد السياح ثلاثة ملايين في الشهور العشرة الماضية بنمو 35% وإيرادات 6.4 مليار دولار. هذا إضافةً إلى قطاع المطاعم وأماكن السهر الذي حقق بمفرده نحو 3 مليارات دولار؛ ويُستثنى اللبنانيون من عدد السياح الوافدين. ويسهم قطاع السياحة بأكثر من 40% من الناتج المحلي اللبناني. ويبقى أن تطلعات الانتعاش في قطاع السياحة تتوقف على استمرار الأزمة الناتجة عن الحرب الدائرة على الحدود.
وفي المغرب أيضا زاد عدد السياح منذ بداية العام وحتى نهاية نوفمبر إلى 13.2 مليون سائح، بنمو 36%، وهو رقم قياسي يفوق عام 2019 السابق على كورونا والبالغ 12.9 مليون سائح، وتجاوزات العائدات 7.5 مليار دولار بحسب بيان وزارة السياحة المغربية. أما تونس فزارها 8.5 مليون سائح منذ بداية العام ولغاية نوفمبر الماضي، أي بزيادة 50 % بالمقارنة مع أرقام العام الماضي. وتجاوزت عائدات السياحة 2 مليار دولار بارتفاع نسبته 32 % مقارنة بالعام الماضي، مع زيادة متوقعة للسياح والمداخيل في احتفالات رأس السنة وأعياد الكريسماس، أملا في تجاوز أزماتها المتلاحقة على امتداد العقد الماضي.
فيا عرب المهجر، الدعوة الآن في وقتها للسياحة في بلدانكم؛ احتضنوا عروسكم التي تنتظركم، وافرحوا برغم الألم، وتفاءلوا برغم الحذر، واسعدوا لتسعدَ عروسكم وتنتزعوا منها حزنها الذي يحوطها من كل جانب، وامسحوا دموعها بلقائكم. هكذا هو حال العروس في بلدان أدمت قلوبها الحرب، وليكن لبنان نموذجا للبهجة في كل الربوع، حيث يعلو صوت الفرح على صوت الحرب والدمار! .











12/18/2023 - 03:54 AM





Comments