دبي - ألفة السلامي
ساعات قليلة ويسدل مؤتمر المناخ في دبي الستار على الدورة الـ 28 وفقًا للموعد المعلن وهو 12 ديسمبر. إلا أن المفاوضات حول القضايا محل الخلاف مازالت مستمرة حتى كتابة المقال، على رأسها مستقبل الوقود الأحفوري. وتبدو المعركة حامية الوطيس خلال المفاوضات حول البيان الختامي حتى الرمق الأخير؛ ومن المرجح أن يحسمها المفاوضون "الدبلوماسيون" باختيار الكلمات المناسبة للبيان بحيث ترضي أغلب الأطراف، لكن دون أن يعني ذلك الاتفاق على الالتزام بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وفق جدول زمني محدد.
ولا يبدو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متفائلاً، حيث مازال يفاجئنا بثوريته التي ظهرت جلية منذ الحرب الإسرائيلية على غزة، ويرى أن القمة شارفت على نهايتها ومع ذلك لايزال هناك فجوات كبيرة يجب سدها، وشدد خلال مؤتمر صحفي اليوم الاثنين على أن "الوقت قد حان لرؤية تنازلات من أجل التوصل لحلول في ختام قمة المناخ". واعتبر أن أحد الأوجه الرئيسية لنجاح القمة قد تكون التوصل إلى إجماع حول التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري في إطار زمني يتماشى مع هدف الحد من الاحتباس الحراري دون 1.5 درجة مئوية.
لكن بعيدًا عن هذه القضية الخلافية، ما مدى التقدم الذي تم إحرازه في هذه القمة حتى الآن؟ تعتمد الإجابة هنا على منْ نتوجه إليه بالسؤال. فإذا كان سلطان الجابر رئيس مؤتمر الأطراف في دولة الإمارات المنظمة للقمة فإن الإجابة ستكون إيجابية، أما إذا كانت الدول النامية والمتضررة من التغير المناخي خاصة الجزر فإن الإجابة ستكون في كِفّة الإخفاق حيث يعتقدون أن هناك الكثير مما كان يجب القيام به للاتفاق على تصحيح المسار اللازم للاستجابة على الوجه المناسب لحالة الطوارئ المناخية.
ولو لخصنا أهم ما تحقق في مؤتمر المناخ خلال أسبوعين، نجد في الصدارة تفعيل صندوق الخسائر والأضرار الجديد لضحايا المناخ وتفاصيل إدارته؛ وهو الصندوق الذي كان قد تم الاتفاق على إنشائه في مؤتمر شرم الشيخ العام الماضي بهدف تقديم التمويل للبلدان الفقيرة للتعامل مع التغير المناخي وتداعياته الناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وقد تحقق أخيرا هذا الطلب الذي دام عقودا من جانب البلدان المتضررة، مما قد يساعد على إعادة بناء الثقة بين شمال العالم وجنوبه.
ثاني الإنجازات تمثل في إعلان دولة الإمارات على لسان سلطان الجابر، رئيس المؤتمر، ضخ 30 مليار دولار في صندوق تمويل المناخ المسمى Alterra وكانت التعهدات من عدد من البلدان، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، بلغت قيمتها الإجمالية 726 مليون دولار فقط، ويضاف إليها 3 مليارات دولار أعلنت عنها نائبة الرئيس الأمريكي، كاميلا هاريس. ورغم ذلك مازال الناشطون في مجال المناخ غير راضين ويعتبرون أن خسائر الدول من التغير المناخي أكبر بكثير، وتحتاج لإصلاحها عدة تريليونات.

هذا ما ذكره بعض المحتجين داخل المنطقة الزرقاء في أكسبو ألفين، ومنهم أرجيت سينغ، رئيس الاستراتيجية السياسية العالمية في شبكة العمل المناخي (CAN)، محذرًا: "لا تنخدعوا بهذه القيمة فهي لا شيء مقارنة بالأرباح التي تحققها صناعة الوقود الأحفوري"، وذلك في إشارة إلى أن أرباح صناعة النفط والغاز قفزت إلى 4 تريليونات دولار العام الماضي، حسبما ذكرت وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق. فيما تبلغ التأثيرات الاقتصادية وغير الاقتصادية الدائمة لتغير المناخ نحو 400 مليار دولار، وفقًا لمنظمة Loss and Damage Collaboration غير الحكومية.
وقد لوحظ تفاعل عدد من الشركات الكبرى مع قضية التغير المناخي، ومنها 50 شركة منتجة للنفط والغاز تقودها إكسون موبيل وأرامكو، حيث أعلنت خفض الانبعاثات الناتجة عن عملياتها من خلال حلول التكنولوجيا المتقدمة. وهذا يُحسب في كفة مزايا القمة؛ لكن في المقابل انتقد مبعوث المناخ الأمريكي جون كيري بعض منتجي النفط الأمريكيين "لعدم قيامهم بما يكفي لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري". وخص بالذكر شركة شيفرون!
ولا يجب أن يسارع أحد لاستنتاج أن "كيري" مناصر للبيئة لأنه هو نفسه الذي اقترح حلاًّ وصفه بعض ناشطي المناخ بأنه "دسَّ السم في العسل"، أو "نصف العمى ولا العمى كله" -كما يقول المصريون-حيث اعتبر أن احتجاز الكربون سيلعب دورًا رئيسيًّا في الوصول إلى صافي الكربون بحلول عام 2050. وهو بذلك كأنه "يوشوش" في آذان الدول النفطية والشركات المنتجة للوقود للسير في اتجاه احتجاز الكربون لتعويض الانبعاثات وليس التخفيض أو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.

ألكاتبة الفة السلامي مع بعض الاعلاميات خلال المؤتمر
تلك إذن الأجواء في دبي بشكل عام خلال مؤتمر المناخ. يبقى أنه لابد من الإشادة بمشاركات الشباب والنساء الواسعة، والذين يتجاوز عددهم 50 ألفا ويمثلون ثلثي المشاركين، يلونون مكان القمة بملابسهم وعاداتهم وأفكارهم والتي تعكس ثقافات متنوعة من 200 دولة مشاركة، إضافة إلى الحماس الذي شعرتُ أمامه بأن "الدنيا بخير" وستكون كذلك بفضلهم، ليس فقط في قضايا البيئة والمناخ وإنما في استرجاع الحقوق السياسية لأصحابها، عندما يكون هؤلاء يومًا ما في المستقبل من أصحاب القرار!











12/11/2023 - 10:33 AM





Comments