مارفن عجور
كأي تلميذة أخرى، استيقظت ماغي في الصباحِ الباكرِ على صوتِ المنبّهِ لتذهبْ الى المدرسةِ فسارتْ الى المرحاضِ وغسلت وجهَها لتقومَ بعدَها بارتداءِ الزيّ المدرسيّ وترتجلُ حقيبتَها وتنتظرُ الباصَ لاصطحابِها إلى المدرسةِ... وقبلَ خروجِها مِنَ المنزلِ ودّعتْ والدتَها بالقبلاتِ والكلماتِ الجميلةِ التي تمنحهما يوماً مباركاً فاقتربت ماغي من والدتِها وقالتْ لها " ماما انا رايحة بدك شي " فأجابتها " لأ يا ماما انتبهي ع حالك وانشالله بشوفك احلى دكتورة بالبلد ".
واضافت " ما تتأخري عاملتلك اكلة بتحبيها كتير " وذهبت ماغي ووصلت الى المدرسةِ وتقابلت مع اصدقائِها وتبادلوا التحايا ودخلت بعدَها الى الصف لتجلُسُ على أحدِ مقاعدِهِ المُرعِبَةِ، وما إن حانَت الساعة التاسعة صباحأً وكانت ماغي تدرس مادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية وتدوّنُ أهمَّ المعلوماتِ سقط سقف البناء في صفّها على رأسها فملأه دماءً ودخلت في غيبوبةٍ فركضَ الشُبان لينقذوها وينقلونها الى المستشفى لكن الموت كان اقوى منها فلم تستطع المقاومة.
وفي سيارة الاسعاف لفظت ماغي انفاسها الأخيرة ونطقت كلماتها الأخيرة ورحلت... ليرّن هاتف والدتها بعد دقائق وتتلّقى الاتصال المشؤوم فعلمت انه اتصال من المدرسة وقلقت وكأن قلب الأم دليلها لترّد على الاتصال فتتكلم معها الناظرة وتقول " الو انتي امها لـ ماغي " فأجابت الوالدة " نعم، ماغي بها شي؟ " وبصوت مرتجف اجابت الناظرة على سؤالها " ماغي عطتك عمرها... وقع عليها الحلم فقتلها ".
وفي هذه اللحظة صُدِمَ قلب الوالدة وصمدت في مكانها وابتلعت لسانها ولم تستطع التعبير وهنا اختفى اللون الأبيض من المنزل واخبأه اللون الأسود... ومات الأمل ليولد الألم... وتلّقى اشقاء ماغي وابيها الخبرَ فأصيبوا اصابة قلبية شديدة الألم كما اصيبت الوالدة... فلا عوضٍ بعد خسارة ماغي... ولا الم يضاهي الم فراقها.. ولا شيء يطيّب الجرح... فـ ماغي صغيرةُ منزلها و "الدلوعة" كما لقبّها والدها... مجتهدة، مثقّفة ولا حدود لطيبةِ قلبها... مُحبّةً لأصدقائها واهلها واقاربها، ولديها طموحات واحلام لا تعّد ولا تحصى.
قلبها توّقف عن النبض و حياتها قد انتهت قبل ان ترتدي ثوب التخرّج و تلمع به امام اساتذتها و تشّع جمالاً و اناقةً و ثقافةً و ذكاءً، قبل ان تحقّق احلامها و تصبح طبيبةً كما ارادت ويلمع اسمها على قائمة اشهر و اهم الأطباء في لبنان و المهجر، قبل ان تقضي اجمل ايامها مع اصدقائها و احبائها و ترسم المزيد من الذكريات... كل هذا لم يحصل، لم يحصل لأن اهمال السلطة الفاسدة منعت حصوله، فالقطاع التربوي لم يكن يوماً ملّفه قيدَ البحث بل كان مرمى دوماً في الجوارير فيُهمل و يكون ضحية اهماله تلاميذُ المدارس الرسمية و المدارس الخاصة...
فهل رأت يوماً وزارة التربية والتعليم العالي المشاهد القابلة للدمار في بعض المدارس وبخاصة المدارس الرسمية؟ هل اوكلت نفسها بأن تذهب الى مدرسة الأمريكان في طرابلس حيث تتعلم ماغي وتتفقدها؟ ام فقط ارسلت تعازيها لأهل ماغي؟ يمكننا القول بأنها فقط قامت بالتعزية وبكل وقاحةٍ قامت بالتعزية! كما يقول المثل " بيقتلوا القتيل وبيمشوا بجنازتو " فهم قتلوا ماغي ومشوا بجنازتها! وحتى بعد وفاتها ومشاهد الدماء التي شوهدت في صفوف تلك المدرسة لم تكلّف الوزارة نفسها لتمرّ على المدارس.
اليوم يمرّ عاماً على وفاةِ تلكَ الفتاة البريئة التي لم تتوقع يوماً بأن رصاصة السلطة الفاسدة قد تصيبها، اليوم يمرّ عاماً على وفاةِ ماغي محمود التي توفيت جرّاء سقوط سقف الفصل عليها فيما كانت تدرس مادة التربية، المادّة التي تلقّن التلاميذُ دروس الحقوق و الواجبات و دروس القوانين فلا يطبّق شيئاً منها، فلماغي الحقّ بالتعلّم و الحقّ بالعيش اللائق و الكريم و لدولتها الحاكمة واجباً بتأمين متطلباتها و استمراريتها و اعادة ترميم سقوف المدارس القابلة للسقوط في اي لحظةٍ.
فكما نرى ماغي اليوم احدى ضحايا السقف قد نرى غداً ضحايا جددٍ للإهمال والفساد المتواصل بلا توقفٍ! لقد مرّ عام على حادثةٍ لاقت ضجةً واسعةً في لبنان والعالم كذلك، فهذه الحادثة أكّدت بأن الآمان قد هاجر هجرةً ابديةً من لبنان ولن يعود، أكّدت بأن حتى على مقاعد الترميم نجد تهديماً ودماراً و موتاً، فما اقبح ذلك التأكيد الذي يدفعك للتفكيرِ بأشياءٍ سيئةٍ و يُشعِرُكَ بالقلقِ الدائم و الموت في أيّ لحظة ممكنة! اليوم بعد مرورِ عامٍ كان من المفترض ان تجتاز ماغي آخرَ سنواتها الدراسية لتنهيها بخوضِ الامتحانات الرسمية و تحتفل مع اهلها و اصدقائها بنجاحها لكن اليوم قد يذهب اهلُ ماغي و اصدقاؤها الى مدفنِها و يقطفون الورود و يضعونها حيث دُفِنت فالدولة ابدلت الآمال بالمأساة!.
في الختام، يمكننا القول بأن الكوارث في لبنان قد تتواجد في كل مكانٍ، فكلّ يومٍ نخسَرُ اشخاصاً كان الأمل معلّق عليهم فيقعون شهداء جرائم مسؤوليتهم، وحتى على مقاعدَ الدراسةِ يستشهد التلاميذُ في الوقت الذي يتغذّون به العلم والمعرفة يقتلهم جهل حكامّهم! فلو كانت الثقافة هي من تطغى لكنّا لم نمرّ في كل هذه الشدائد ونوّدع ورود قد ذبلت عيونَهم يومَ قررّت الساعة السوداء ان تدّق بابهم...
ماغي توفيت وتوفيّ معها الأمل والابتسامة والجمال والأناقة والثقافة والرقيّ... وخسر الوطن بخسارتها طبيبةً انسانيةً كانت على اتم الاستعداد لمعالجة المرضى بكل حبٍ وضميرٍ في المستقبل... ماغي رحلت لكن الجاهلون لم يرحلوا بعد ففي زيادتهم نقص عدد المسؤولين الجدّيين الذين لن يفكرّوا يوماً الاّ بالعلم والمعرفة وتقديم الأفضل! فإلى متى سنبقى ضحية الفساد المستمر بلا حدود؟ و الى متى سيبقى وطننا ممتلئاً بالحكام الفاسدين و السارقين واللصوص؟.












11/02/2023 - 13:55 PM





Comments