بقلم: ألفة السلامي
الإنصات للدكتور مصطفى الفقي السياسي والمفكر العروبي المخضرم دائما ما يحقق الإمتاع والمؤانسة ولأجيال عديدة على اختلاف مشاربها، فهو يملك مفاتيح الإقناع وجذب الآذان الصاغية إليه بفضل أسلوبه الطريف وقصصه المليئة بالرسائل المُحفّزة والتي دائما ما تحملُ الجديد. وهذا كان حال الحاضرين من الطلاب والمثقفين خلال محاضرته في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة المستقبل بدعوة من عميدة الكلية الأستاذة الدكتورة سلوى ثابت مكي.
ولعلَّ توقيت المحاضرة قد أضفى على قصص "الفقي" هذه المرة الكثير من الزخم والحماس الذي يبدِّدُ الشعور بالإحباط المُتسلّل إلى النفوس بسبب القصف الوحشيِّ الذي تتعرَّضُ له غزة.

الدكتور مصطفى الفقي مع الأستاذ عصام شيحة المحامي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وتتوسطهما الكاتبة ألفة السلامي
كان للفقي دائما "ترمومتر" يقيس به حالة الجالسين أمامه ويستلهم من تجربته قصصًا ورسائلَ تغير الاتجاه وتبعث الأملَ حتى في أجواء شديدة الكآبة. وأقتطفُ في مقالي بعض القصص المحفزة على الثقة في النفس والتسامح التي رواها الفقي في معرض حديثه عن التعليم وبناء الشخصية المصرية، حيث بدأها بالتذكير بقيمة الوطن والاعتزاز الذي يبعثه في داخل كل شخص يعيش على هذه الأرض الطيبة التي جاء ذكرها في الكتب السماوية المقدسة كافة، مشيرًا إلى أن اسمها مشتقٌّ من الأمصار أي المدن، وهو مشتقٌّ أيضا من "المصاري" -على سبيل الدعابة - والتي يتأمّل أن يبعث الله بالمزيد منها خلال اكتشافات الغاز في شرق المتوسط حتى تتحسَّنَ أحوال المصريين أكثر فأكثر!.

الدكتورة سلوى ثابت مكي عميدة كلية العلوم السياسية بجامعة المستقبل في استضافتها الدكتور مصطفى الفقي

حوار الإعلامية سمر نجيدة مع الدكتور مصطفى الفقي على هامش الندوة
ونبه الفقي العيون الشاخصة أمامه إلى "أننا لابد أن نعتزَّ بالوطن وأن نخرجَ من دائرة الإحباط ويتيقَّنَ كل فرد أنه أقوى من كلِّ الذين يحاولون النيلَ منه". وتنبَّه الجميع إليه باهتمام عندما قال إنه استطاعَ أن ينامَ ليلة الأمس لأول مرة منذ أيَّام بعد أن شاهد الرئيس السيسي مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، والوفد المرافق له.
وذكر أن كلام الرئيس السيسي أدخل عليه الراحة -"كيّفه" بلغته الطريفة - خاصة عندما قال الرئيس إنه نشأ كمواطن مصري في حي جنبا الى جنب مع اليهود (ويقصد حارة اليهود في حي الجمالية شارع خرنفش حارة البرقوقية)، حيث لم يكن اليهود يتعرضون إلى أي شكل من أشكال القمع أو الاستهداف ولم يحدث في منطقتنا العربية والإسلامية أن تم استهداف اليهود في تاريخهم القديم والحديث.. ربما حدث ذلك الاستهداف في أوروبا ويمكن أسبانيا ودول أخرى.
جاء ذلك في تعليقه على ما ذكره "بلينكن" من هويته اليهودية. وأضاف أن الموجة التي تشكلت في أعقاب الأزمة موجة ضخمة جدا وهو ما يتطلب جهودا كبيرة لخفض التوتر وتيسير المساعدات لقطاع غزة المحاصر الذي يفتقد للمياه والكهرباء والوقود مع توقف المخابز. وقال الرئيس السيسي إنكم موجودون هنا لتسمعونا في المنطقة لأننا العالمين بالقضية والعالمين بأسباب الأزمة ولماذا قُتل السادات ولماذا قُتل رابين ومن الذين قتلوهما.. متابعا: "المتطرفون .. ولابد أن نعمل سويا لاحتواء الموقف وعدم دخول أطراف أخرى للصراع".
استدعت هذه الواقعة المزيد من ذكريات "الفقي" أيضا عندما كان صبيا في المدرسة عام 1956 وكان معه في الفصل زميله اليهودي إبراهيم رحمين، دون أن يعرف أحد هويته أو يهتم بالاختلاف، حيث كان الأطفال يلعبون معا في الفسحة بالمساطر وكأنها سيوف، حتى جاء العدوان الثلاثي، وأُغلقت المدارس ولم يعد التلاميذ من الإجازة إلا بعد انتهاء الحرب، وبحثوا عن "رحمين" فلم يجدوه بينهم وقيل لهم إنه رحل. ويتذكر الدكتور مصطفى الفقي مشاعره آنذاك وهو طفل فيقول "كلنا زعلنا، محدش كان يفكر هو مين واحنا مين".
ويستدعي الفقي أيضا من التاريخ وقائع تعكس التسامح تجاه اليهود والذي كان سمة للمجتمع في بداية القرن الماضي حيث يقول إنه تم تعيين يوسف أصلان قرطاوي وزيرا للمالية عام 1924 ولم يعترض أحد، ثم وزيرا للمواصلات عام 1925 كما انتخب عضوا في مجلس النواب عام 1923 عن دائرة كوم امبو، وكان أيضا عضوا في مجلس الشيوخ من 1927 وحتى 1936.

جامعة المستقبل مع المفكر مصطفى الفقي
وحكى الفقي كيف انتظر أعضاء لجنة دستور 23 أسبوعين كاملين حتى يعود الحاخام اليهودي من رحلته الخارجية لاستكمال كتابة الدستور، مجددا التأكيد على أن مصر ليس لديها نزعة تعصبية، مشيرا في المقابل إلى التعصب الإسرائيلي الحالي وما يبخّه من كراهية وحقد تجاه الآخرين، خاصة أبناء الشعب الفلسطيني الذين يُوصفون بالحيوانات والإرهابيين، ناهيك عن المخططات الآثمة في كل اتجاه التي يسعى الكيان المحتل لتنفيذها وتجريد الفلسطينيين من أرضهم ومن حق الحياة. ويؤكد الدكتور مصطفى الفقي أن العالم العربي لا يمكن أن يتصور أن هناك من يمتلكون مفاتيح الحياة والفناء في الأرض، مشيرا إلى حرب 73 وقد كانت علامة فارقة ثم العلامة الأخرى الآن وهي طوفان الأقصى.












11/01/2023 - 03:21 AM





Comments