مارفن عجور
منذُ سنواتٍ عدة هاجرَ رامي من بلدِهِ الى بلدٍ آخرٍ فبعدَ ان احتّل العدّوأرضَهُ وقَصَفَها، قرّر المغادرةَ وعَرَضَ على والديه ان يغادرا معه لكنهما رفضا! وقالا له " اذهب بمُفرَدِكَ يا بنيّ، وابنِ مستقبلاً واعداً يملأهُ الفَرَحَ والنجاحَ والأملَ " . وهنا غادَرَ رامي تاركاً والديه بحثاً عن وطنٍ آخرٍ يُطعِمُهُ خُبزَ الحرّيةِ والكرامةِ وكانت مشاعر الشجاعة تراوده فأراد تحقيقَ طَلَب اهله بألّا يستسلم مهما عَصَفت بِهِ الدنيا وأراد ان يُعيد لحياتِهم ألوان الحياة بَعدَ كلّ الظلام الذي غرقوا به!
وبعد انتقاله الى فرنسا، درس الهندسة واصبح من المهندسين الأوائل في العالمِ فحقّق حُلمَهُ الذي حملَهُ منذُ الصِغَرِ وهوالهندسة وعندما بدأ العمل، ورمّم اجمل المباني لَمَعَ اسمَهُ في الإعلانات التلفزيونية، وقَصَدَهُ الناسُ من كلّ مكانٍ لترميمِ محالِهِم، وشوهد اسمَهُ في اشهرِ الصُحف نظراً لإمكانياته الضخمة في مجال الهندسة! وبَعدَ ان أزهرت حياة رامي نجاحاتٍ واسعةٍ من غير اهله سيحتفلُ بنجاحهِ ولوحتى في بُعدِهِ عنهم فما المسافة إلّا مسافة جغرافيةٌ!
أما في القلب فالمسافة لن تبتعد! فإحتفالاً بالنجاح وبعد زفّ خبر نجاحاته في فلسطين أرضه وطفولته! ركضت والدته في المنزل وهي عاجزةٌ عن الكلامِ، وكانت تردّد اغاني البهجة والإنتصار وتحقيق الأماني، فامتزجت تلك الأغاني مع أغاني الحزن والشوق الكبير لابنها ورائحتَهُ التي كان يفوح عطرَها في ارجاءِ المنزل فتملأ المنزل اطمئناناً وسلاماً، وهنا في شوقِها له تذّكرت تلك الأيام الجميلة التي عاشتها معه، عندما انجبتهُ، وكانت تحتفل دوماً بالقُربِ منه بنجاحاته المدرسية وانجازاته! أما الآن فتحتفلُ بأهّم تقدّماته لكنّه يُبعِد عنها مسافاتٍ طويلةٍ!
وعنْ الأب اسرع لشراء الحلويات، وكان يصرخ في فضاءِ فلسطين " ابني، حقّق حلماً، لم نستطع تحقيقَهُ " " ابني نَجَحَ، افرحي يا فلسطين، فأبناؤك ناجحون، محّفزون، شجاعون " وتجّمع اهلُ رامي والأصحاب والأحباء في منزله، يهنّئوا بعضهم البعض، فرحين ان وعلى الرغم من الصعاب نَجَحَ رامي، الذي لم يفقد الأمل يوماً وكانت الفرحة لم تسعهم للمرّة الأولى! نعم! للمرّة الأولى، ففي نجاح رامي ذاقوا طعم الفرح الحقيقي والإبتسامة الصادقة، فالحرب عليهم لا تتعب من توجيه ضرباتها القاسية.
وهكذا، انتهى ذلك اليوم، بعد فرحةٍ اعادت الحياة الى منزل اهل رامي، وامضى والده وامه الليلة بكاملها في الصلاةِ له؛ متمنيين عودتَهُ في الوقتِ القريبِ، راجيين الله ان يرحَمْ ارضهم لعلّ يعود ابنُهُم من فرنسا، كي يراهم فأرضهم معرّضة وفي كلّ لحظةٍ للدمار وهم معرّضون في كلَّ لحظةٍ للإستشهادِ.
مرّت خمس سنواتٍ، وظلّ رامي في الغربة، لم يَعُدْ الى فلسطين، ويستذكر بعيداً عنها ايامه الجميلة فيها على الرغم من كل غبار اخبى عنها ملامح الجمال الناعم والطبيعي .يعيشُ بمفردِهِ لعلّ العزلة تبتلعَهُ فيستذكر ليالي فلسطين حيثُ الأغاني والحركة الايجابية، يعيش عن ربعه بالجسم مغترباً، وقلبه وهواه غيرُ مغتربٍ.
فما أقبح الغربة! وكم هي بَشِعةُ! ونعم وألفُ نعم فإن الحياة لا تَرحَمْ، تُدخِلُنا في تجاربٍ صعبةٍ والغربة تجربة حيثُ الصعوبة تتكلّم . وإن الغربة جعلت رامي يتشهى الكَرى، ففي كلَّ ليلةٍ يستقبل الليل لا تغفوهواجسه، مؤثراً التفكير على عقلِه، مستذكراً وطنه الأم! فهولم ينسه، وان ذكراه في الغربة صبر وسلوان! وكيف لرامي ان ينسى وطنه خصوصاً وان وطنه للكفاح والقوّة والصمود وُلِدَ ؟ أهذا ضربٌ جنونيٌ ان ينساه ؟ ومن هوهذا الأحمق الذي ينسى فلسطين ارض المقاتلة ودماء الشهداء؟.
واخيراً وبعدَ بضعةِ اشهرٍ، دقَّ الحنينُ القاتلُ بابَ رامي، فنظرَ الى الوضعِ المستجّد في فلسطين ورأى ان الأجواء هادئة، وقرّر حينها ان يحقّق امنية والديه ويعود الى ارض فلسطين، الأرض حيثٌ ولد وترعرع! ولم يكن والديه يعلمان ذلك، فكانت مفاجأة! وخلال صعودِهِ الى الطيّارة وبعدَ بضعةِ دقائقٍ يفتح هاتفَهُ فيصلهُ خبرا عن قصفٍ للعدّو باتجاه غزّة الفلسطينية حيثُ يتواجد اهله! قصفاً طال مباني سكنية ومستشفيات وكنائس وجوامع، فتذّكر عندَها ان والدته كانت دائما تقول له أول علاجٍ للشفاءِ من مصابٍ اليمٍ يا بنيّ هوالصلاة! فراحَ يصلّي! واقضى طوال الوقت وهويصلّي!.
بعدِها وصلَ الى فلسطين واصرّ على ذَلِكَ وذَهَبَ على الفورِ إلى المبنى السكني الذي يسكنُ به اهله، ولسوءِ الحظّ طالَهُ القصف الشرس، فدُّمر بالكامل، وعَلِمَ رامي أن امّه وابيه يجتمعان تحتَ الأنقاضِ، وراح يطلب من الإسعاف المساعدة قائلاً " انقذوا والديّ فلا ذنب لهم بكل ما يحصل " وكان قلبه يرقص رعباً، لتمرّ عشرةِ ساعاتٍ بعدَها، رامي ينتظر والخوف يراوده، فانتُشِلَ والديه من تحتِ الأنقاضِ جثثاً، فرآهم رامي، يغمضان اعينهما، وعلى فمهما ابتساماتٍ عريضةٍ، حضنهما، قائلاً لهم " وداعاً يا اهلي، يا شهداء ارضي، يا ابطالاً، افتخرُ بكما انكما والديّ "، ووجَدَ بعدَها ورقةً مكتوبةً بخطًّ اسودٍ يشبَهُ الفاجعة، وكان كاتِبُها والديّ رامي موّصين ايّاه وقائلين له " كنّا نعلم يا بنيّ بمجيئِكَ، وتهديداتٍ كانت توّجه لنا بقصفٍ قريبٍ، اعذرنا لم نحقّق لكَ حلمكَ برؤيتِنا " وهنا تساقطت الدموع من عينين رامي، عاجزاً عن التعبيرِ، حَمِلَ والديه على الأكتفِ، موّدعاً ايّاهما .
وعلى ارضِ فلسطين، وتحتَ القصفِ الوحشِ صَرَخَ رامي: آه يا فلسطين.. يا اسم التراب، ويا اسم السماء.. ستنتصرين.











10/21/2023 - 10:18 AM





Comments