بقلم: ألفة السلامي*
تزايد معدلات الفقر وتفاقم الديون تلخص أبرز أزمات البلدان النامية على امتداد نصف قرن، وأصبحت تشكل عائقا أمام تنفيذ برامج التنمية وخطة 2030، وتتطلب إرادة سياسية راسخة بالالتزام بالقضاء على الفقر وهو أبسط الحقوق التي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل سبعين عاما. وقد تضمن تقرير صادر حديثا (الأربعاء 11 أكتوبر) لمنظمة الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) والبنك الدولي أرقاما صادمة عن الفقر، خاصة بين الأطفال. يعيش 333 مليون طفل في فقر مدقع في جميع أنحاء العالم، ويضطر طفل من كل ستة أطفال إلى العيش بأقل من 2.15 دولار في اليوم. بينما يعيش 829 مليون طفل تحت خط الفقر البالغ 3.65 دولار، ويعيش 1.43 مليار طفل على أقل من 6.85 دولار في اليوم. وكان تقرير سابق للأمم المتحدة أكد أن 1.3 مليار شخص لازالوا يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، نصفهم تقريبًا من الأطفال والشباب. وتشمل تلك الأبعاد المتعددة نقصا في الدخل والقدرات الأساسية للعيش بكرامة وفي سكن آمن وظروف عمل أقل خطورة مع إتاحة الفرص للوصول للعدالة.
وقد شهدت أروقة الأمم المتحدة نشاطا دبلوماسيا مكثفا مؤخرا على هامش أعمال الدورة الـ 78 لجمعيتها العامة، وعبر رؤساء الدول الكبرى عن مواقف دولهم من القضايا الملحة، لم يكن من بينها الفقر! وهذا في حد ذاته أمر محزن، كما أن خسارة المعركة ضد الفقر مسألة مخيبة للآمال. وهو ما يرسّخُ انعدام الثقة والتباعد بين شمال العالم وجنوبه في وقت يحتاج إلى الاتحاد، خاصة إذا كان ما يزال هناك بريق من الأمل للتغلب على هذه الأزمة المستفحلة عبر عقود طويلة.
ورغم أن العالم أصبح يحظى بمستوى لم يسبق له مثيل من التنمية الاقتصادية والوسائل التكنولوجية والموارد المالية، إلا أن أعداد الفقراء في تزايد ويمثل الملايين الذين يعيشون في فقر مدقع عارا أخلاقيا على جبين العالم. إن الإحباط الذي تشعر به دول الجنوب أمر بالغ القسوة. هذه الدول تدفع ثمن ازدهار بلدان أخرى. وعندما ينبغي لهم أن يصعدوا، فإنهم يفاجؤون بجائحة تأخذ معظم موارد التنمية التي حققوها بعد ربط البطون وتضييق الخناق على موازنات الإنفاق.
ثم وقبل أن يستيقظوا من أزمة الجائحة تعصف الحرب في أوكرانيا بكل ما تبقى من أضغاث أحلامهم. تهطل عليهم قرارات الفائدة من الفيدرالي "سيد العالم" فيغرقون في بحر من التعويم حتى قبل أن تتمرّس اقتصاداتهم على السباحة. ويسيطر القلق على أسواقهم المضطربة حيث أن الموارد الموعودة سيتم تحويلها إلى إعادة إعمار أوكرانيا؛ ويستبد بهم اليأس ولا مفر حيث تطلعاتهم مقيدة بلعبة الطاقة، ناهيك عن شحّ المواد الأولية والطعام المحبوس في الموانئ وبالتالي يقعون فريسة للأزمات الاجتماعية الطاحنة بين بطالة قسرية وشباب قانط. لكن ماذا تفعل الدول الكبرى صانعة الأزمات والصراعات والحروب؟ مجموعة العشرين في تقريرها مؤخرا دعت إلى جمع ثلاثة تريليونات دولار لمواجهة الأزمات المتلاحقة، لكن مع إنفاق جزء ضئيل منها لمساعدة الفقراء!
ومن المفارقات أن الإحصاءات الأخيرة أظهرت ارتفاع معدلات الفقر بين أطفال دول كبرى ضمن مجموعة العشرين، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ورغم أن الدول الغنية لم تعد تعاني من التداعيات المرتبطة بالفقر مثل الجوع والأمية، إلا أن معظم دول العالم الثالث لا يزالون كذلك.
كتب بول كروجمان أحد كتاب الأعمدة في صحيفة نيويورك تايمز في أوائل سبتمبر الماضي عن فقر الأطفال في الولايات المتحدة، قائلا: "غالبًا ما يتخذ صانعو السياسات قرارات قاسية؛ كما أنهم غالبًا ما يتخذون قرارات غبية، مما يضر بالمصلحة الوطنية دون سبب وجيه. وفي كثير من الأحيان هم يتخذون قرارات قاسية وغبية في نفس الوقت!" كان هذا هو تقييمه للإجراءات التي اتخذها الجمهوريون في الكونجرس ومجموعة من الديمقراطيين المحافظين لمنع تمديد البرامج الفيدرالية التي أدت إلى خفض فقر الأطفال على مدى العامين الماضيين، ونتيجة لذلك ضاعت غالبية المكاسب السابقة.
وذكر تقرير التعداد السكاني الأخير حول الدخل والفقر الذي أثار غضب هذا الصحفي وغيره من الشخصيات أن فقر الأطفال تضاعف بين عامي 2021 و2022 وهذا يعني أن 5.1 مليون طفل قد دُفعوا إلى البؤس، "لأنه من البائس حقًا أن تكون فقيرًا في أمريكا." وكم هو بائس أيضا أن تكون طفلا فقيرا في دول العالم الثالث يا سيد كروجمان؛ ليتك وغيرك تعرفون! هكذا كل يغنّي على ليلاه، فالكتاب والمثقفون غاضبون من حكومتهم التي توزع باليمين المليارات من الدولارات على الحرب في أوكرانيا والمساعدات العسكرية للكيان الإسرائيلي المحتل، بينما تقتّرُ باليسار على أطفال أمريكا الذين تضاعف عددهم بين 2021 و2022 من 5.2% إلى 12.4%.
وفي كل الأحوال، القصة الإنسانية التي نحاول كصحفيين سردها رغم كونها متفاوتة في التقدير حسب كل دولة إلا أنه يجمعها خيط واحد هو فشل السياسات العامة. الجميع يبحثون عن كيفية جعل صانعي السياسات يهتمون بفداحة الفقر وكيف بإمكانهم الشعور بنفس القلق الذي تشعر بها الأسر بشأن كيفية إطعام أفرادها في كل يوم! كيف يمكن الكشف عن الأكاذيب والفساد ولامبالاة السياسات بعد أن أصبحت طريقة ثابتة للعالم؟ القصص ليس لديها ولاءات. الفقر هو الفقر، سواء في أمريكا أو إفريقيا أو أي قارة أخرى! المعاناة حيثما كانت ومهما كان سببها هي معاناة. القضاء على الفقر وليس الفقراء هو الذي سيجعل العالم أجمل! ولن يتحقق ذلك بالوعود بل بتغيير السياسات التي أثبتت فشلها.
مازالت الحكومات، خاصة في العالم الثالث، تبعد الفقراء عن الأنظار وتخفي فقرهم لأنهم "مشهد قبيح للأعين". إن فقراء أي دولة لا يمكن إخفائهم خلف ستائر من القماش الشفاف حتى لو كان ملونا، ولا يمكن حجب عين الشمس بالغربال كما يقول المثل الشعبي لدى العرب. ينفقون ملايين الدولارات على مؤتمرات القمة وكبار الموظفين ومهرجانات الدعاية لانتخابات القادة والزعماء لتصويرهم كعظماء وتشرق وجوههم المبتسمة من إعلانات الشوارع لكنهم يختلقون المعارك للتنصل من إصدار قرارات بصرف معونات للمشردين والجائعين جراء سياساتهم. ويبالغون في إظهار أنهم حققوا ما لم يحققه أي حاكم من قبل. انها ضجة الدعاية الفجة التي تطلي كل جدران الحقيقة القاتمة بألوان زهرية.
لقد حان الوقت لكي يستمع صناع السياسات إلى صوت الفقراء والمهمشين أكبر الضحايا من تلك السياسات. إنهم جميعا يعرفون المطلوب وما الذي تمليه الظروف الراهنة خاصة وأن الخطط الكفيلة بالقضاء على الفقر موجودة منذ زمن وكذلك الموارد، ولكن لا أحد يعرف لماذا انحرفت السياسات عن المسار الصحيح، وكيف تعود لمسارها لتحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة!
* صحفية متخصصة في الشؤون الدولية











10/15/2023 - 04:33 AM





Comments