هل لا زال السلام بعيد المنال؟

10/15/2023 - 03:15 AM

Arab American Target

 

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

بعد الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي من الهند إلى أوروبا عبر إسرائيل في قمة العشرين التي عقدت في الهند خرج نتنياهو مبشرا الجمهور الإسرائيلي بما سيتم تثمينه للعلاقات الأمريكية ومشروع السلام الدولي الإقليمي في توقيت بالغ الأهمية من حيث الصراع الدولي، وعودة الاستقطابات الكبرى.

 وكما أثار الاتفاق السعودي الإيراني برعاية بكين صدمة للولايات المتحدة وإسرائيل كذلك شكل هذا المشروع الممر الاقتصادي الهندي عبر دول الخليج الذي يمر بإسرائيل إلى أوروبا صدمة لإيران ومليشياتها في المنطقة، وأيضا لم يكن مرضيا لليمين الإسرائيلي، لأنه يرمي إلى إقامة دولة للفلسطينيين متزامن مع إقامة علاقة بين إسرائيل والسعودية.

خصوصا وأن الولايات المتحدة والسعودية نجحتا في اختراق أزمة الصراع العربي الإسرائيلي التاريخي في الالتفاف على الواقع الراهن عبر السلام الاقتصادي بديلا عن السلام السياسي، ووجدت إسرائيل في هذا المشروع عدة مكاسب كبرى يعيد التذكير بمشروع الشرق الأوسط الكبير، ويحقق الممر الاقتصادي بقيادة السعودية من أجل تحقيق شرق أوسط أوروبي كبير وشامل يضم كل الدول في المنطقة وعلى رأسها إيران وتركيا بجانب إسرائيل، أي لا يتم استبعاد أحد والجميع فيه رابحون.

لكن لا تزال إسرائيل تواصل مشروع التهويد والاستيطان تنفيذا لاتفاق الشراكة بين نتنياهو واليمنيين الذي يضم مكونات الائتلاف الحاكم في إسرائيل، ولم يجد الرئيس الإسرائيلي سوى الاستمرار في الالتزام به في ظل تداخل كثير من المعطيات باعتقاد اليمنيين أن إسرائيل لن تكون الرابح الأكبر من هذا الممر، بل تكون دولة ضمن عديد من الدول، وسيكون المشروع بقيادة السعودية، لذلك يقف اليمنيون دون إتمام السلام في الإقليم في تحقيق تسوية مرضية عبر منح الفلسطينيين دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وهي لا تراها تسوية مرضية لإسرائيل بعدما كان تتراهن على الاتفاقية الإبراهيمية وظنت أن السعودية ستوافق على الانضمام لتلك الاتفاقية لكن الولايات المتحدة أكدت لها أن السعودية لن توافق على الانضمام لتلك الاتفاقية بل تود إعادة علاقات مقابل دولة فلسطينية كاملة العضوية عاصمتها القدس، لكن اليمين الإسرائيلي يرى أن دخول إسرائيل ضمن مشروع الممر لن يحقق لها حضورا من خلال السلام والتسوية، ما يعني أن هناك مقاربتان في تل أبيب تسبب في حدوث تباطؤ في تحقيق السلام استثمره أعداء السلام.

خصوصا وأن الصين دخلت على الخط وتولت تطوير وتحديث الموانئ الإسرائيلية، لكن كان إطلاق الممر الهندي الإسرائيلي بهدف تحجيم التعاون الإسرائيلي الصيني العسكري والاستراتيجي الذي يزعج الولايات المتحدة، في ظل مشروعات أخرى مطروحة الهدف منها تأكيد سيناريوهات الاستقطاب وإعادة مناطق النفوذ وتقييم الحسابات الاستراتيجية والسياسية.

استثمر أعداء السلام هذا التباطؤ الإسرائيلي في استهداف حماس إسرائيل بطوفان الأقصى يعتبرها البعض أنها حرب استخباراتية على غرار شراسة حرب يوليو 2006 في لبنان، جعل إسرائيل تعلن عن عملية السيف الحديدي، وصل عدد القتلى في إسرائيل إلى 1600 منهم 22 أمريكي وهناك 500 من مواطني مزدوج الجنسية الأمريكية في غزة، وأعلنت أمريكا عن الدعم الكامل لإسرائيل، وأرسلت مساعدات عسكرية لإسرائيل بعدما أتت تصريحات الرئيس الأمريكي بايدن أنه شاهد أطفال مقطوعة الرؤوس، لكن تم تدارك هذا التصريح بخبر أنه لم يتم تأكيد الخبر، واتصل الرئيس الأمريكي بايدن بالرئيس المصري لإقامة ممر آمن أي نقل سكان غزة إلى شمال سيناء من أجل التفرغ للقضاء على حماس لكن في حقيقة الأمر تصفية للقضية الفلسطينية، رغم أن إسرائيل تحشد 300 ألف جندي على أبواب غزة تتريث الاقتحام، ودمرت نحو 264 ألف منزل لأسر أصبحت مشردة، وأمهلت سكان شمال غزة بمغادرة منازلهم.

بالطبع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض قبول نزوح سكان غزة إلى شمال سيناء، لكنه قبل مرور مزدوجي الجنسية للسفر إلى بلدانهم التي يحملون جنسياتها مباشرة وإدخال المساعدات الإنسانية، وأكد على أن مصر تتوسط بين الجانبين دون شرط أو قيد، ولكن مصر تقف إلى جانب أشقائها في غزة، ومنذ زمن طويل تحاول إسرائيل التخلص من سكان غزة منذ أن تبنى جون كيري هذه النظرية، ضمن سيناريو قديم لتصفية القضية، وسبق أن طرح نتنياهو على الرئيس مبارك أن إسرائيل تود أن تزق الفلسطينيين إلى شمال سيناء فقال له الرئيس مبارك انسى الموضوع تماما، يعاد تكراره اليوم تحت ذريعة الممر الآمن.

الجميع يتساءل من وراء هذه الهجمة الشرسة، خصوصا وأن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تراهن على عدم الاستقرار في غزة، وهل هو فشل استخباراتي إسرائيلي على غرار عام 1373 أم أنه فشل سياسي هائل ارتكبه نتنياهو وفريقه من اليمنيين يعد المسؤول عنه إلى حد كبير، بل حتى أمريكا عندما صرح جايك سوليفان مستشار الأمن الأمريكي القومي في لقاء في واشنطن قبل الهجوم ب8 أيام قائلا أن منطقة الشرق الأوسط أكثر هدوءا اليوم عما كانت عليه منذ عقدين.

 ما جعل أمريكا ترسل بارجة بحماية 5 غواصات كقوات ردع أعلنت أنها غير معنية باندلاع حرب إقليمية لكن إرسال البارجة رسالة لإيران وحزب الله، وقد تضطر أمريكا إلى تعديل نهجها تجاه إيران، أكده وزير خارجية أمريكا بلينكن في جولة لإسرائيل والأردن ومصر والسعودية وقطر في أن دور أمريكا عدم تدخل طرف ثالث في هذه الحرب، وهناك جهود سعودية مصرية تركية إيرانية للسيطرة على هذه الأزمة وتفكيكها لتحقيق تهدئة، وتطالب في نفس الوقت بوقف التصعيد في غزة ومحيطها ومنع اتساع هذه الحرب بالمنطقة.

 سبق أن أصدرت السعودية بيانا أعلنت فيه عن وقوفها مع القضية الفلسطينية، واعتبرت أن ما قامت به عدد من الفصائل الفلسطينية سببه استمرار الاحتلال ومواصلة إسرائيل استفزاز الشعب الفلسطيني خصوصا استفزازهم في مقدساتهم، وحملت المجتمع الدولي تأخره في تحقيق دولة للفلسطينيين بعضوية كاملة قابلة للحياة عاصمتها القدس الشرقية.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

            [email protected]

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment