ما لا يخبرونك به عن الشيخوخة!

10/07/2023 - 12:37 PM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

حدثني وهو يجلس على مقعد مجاور لمقعدي في انتظار دوره عند الطبيب. قال بلغت مؤخرا 86 عاما، وعلى الرغم من وجود العديد من المباهج في الحياة إلا أن التقدم في السن ليس واحدا منها.

الشيخوخة ليست ما أخبرونا به القدامى ولا ما وعدت به الكتب. الأدب مليء بكبار السن الذين جلبت لهم السنوات مزيجا من الحكمة والصفاء والسلطة والقوة. صوّر الأديب الأمريكي ارنست هيمنجواي شخصية الصياد الكوبي العجوز سانتياجو وتصميمه على تغيير حظه العاثر في الحياة وكيف ظل يصارع حوتا عملاقا أطول من مركبه لمدة ثلاثة أيام حتى يفوز في النهاية في هذا الصراع الرمزي المليء بمعاني الإرادة والقوة وعدم الاستسلام. كذلك الشأن في شخصية الآنسة ماربل المتقدمة في السن التي كانت بطلة روايات أجاثا كريستي الكاتبة البريطانية وكيف جعلتها تبدو بسيطة ومتواضعة بينما تخفي ذكاء حادا يفاجئ الجميع عندما تحل لغز الجريمة في كل مرة. وبالمثل، كتب جيمس هيلتون في روايته الأفق المفقود عن كاهن الدير الذي يناهز عمره 200 عاما وكان ينشر السلام والوئام في شانغريلا جنة الأرض الخالدة ويوتوبيا الحالمين. هكذا كان يبدو كبار السن مثيرين للإعجاب في الأعمال الأدبية. لكن في الحياة الأمر أقل بكثير.

الأشخاص عندما يتقدمون في العمر في بلادنا لا يأتي لهم من يطلب الحكمة أو الصفاء أو السلطة أو القوة. يأتي البعض فقط لينالوا حسنات زيارة المريض. ويأتي آخرون للإبلاغ عن رحيل الأحبة عن دنيانا. ويأتي أحيانا من يسأل عن مساعدة مع مطلع الشهر وفي موعد قبض المعاش. وأغرب الطارقين على الباب مؤخرا ويحضرهم البواب: موظف يروج لبوليصات التأمين، وآخر لعرض أدوية الشيخوخة التي تمنع الهشاشة، وثالث لبيع الأعشاب والمكملات الغذائية التي تقوي العظام وتحافظ على الذاكرة، وبالطبع هذا مفيد فقط لأولئك الذين لديهم أشياء يرغبون في تذكرها أكثر من نسيانها!

شيء واحد قد يحتاج كبير السن إلى تذكره هو موعد المتابعة عند الطبيب والمرافق الطبية القريبة من سكنه حتى يشعر بالأمان. حتى تلك الأنشطة المحدودة التي يتوجب عليه القيام بها مثل الذهاب لطبيب العيون لتفقد الشبكية أو المياه البيضاء أو طبيب الأذن لغسل الأذنين لتحسين السمع تتطلب جهدا خارقا من أجل ركوب سيارة والنزول منها وهي مهمة صعبة للغاية بل مهينة أحيانا. وإذا لم تكن السيارة متاحة لدى أحد الأبناء أو الأقارب فإن الحل في سيارة أجرة وهذه مهمة أكثر صعوبة، خاصة إذا كانت متهالكة فيعلق في الكرسي الخلفي. أما إذا تهور كبير السن وفكر أن يستقل المترو فسيتطلب منه الأمر ساعتين أو تزيد للصعود والنزول من السلم. ولن يمنع نفسه من سماع تعليقات محرجة من المارة وكأنهم كانوا يتوقعون ممن هو في هذا العمر أن يجري مثل الغزلان، ناهيك عن كلمات قد توحي بالتعاطف في أحسن الظروف لكنها تجعله يقر ويعترف بأنه أخطأ لأنه فكر في الخروج من بيته، بل وينطقون كلمة عجوز أو جد أو حاجّ وكل الأسماء المرادفة للشيخ وكأنها تنهيدة يأس واستسلام!

في سن الشيخوخة هناك مفاجآت أخرى مخيفة. يختفي المسنّون من وسائل الثقافة أو بالأحرى تختفي منهم. إذا كانوا قد تعودوا على قراءة الجرائد والمجلات فالبصر تراخى ولا تعوضه حتى النظارات المكبرة بعد حين. والشابات والشبان الذين يظهرون على شاشة التلفزيون على أنهم مشهورون لم يسمعوا بهم من قبل. أما طرق التعبير الجديدة فتتركهم في حيرة من أمرهم. إنها عوالم أخرى يجهلونها وتزيد غربتهم.

من المؤكد أن الشيخوخة لها تعويضات. الأحفاد مثلا، الاختلاط بهم مبهج، حتى جزئيا لأنهم يعتقدون أن لديك شيئا مفيدا لنقله، إذا كنت تتذكر نقله، أو أن تشاركهم في لعبة معينة فتتحرك بطيئا كالسلحفاة وتجاهد حتى لا تسقط لأنه من الممكن أن تسقط في أي وقت فيضحك الأحفاد لأن الموقف يفقدهم نسق اللعبة ومتعتها. وتميل النادلات إلى معاملة الشيوخ بلطف. البوابون وأطقم الصيانة يظهرون الاحترام. وهناك أنشطة إيجابية بسيطة يؤديها المسنون وهي قد تكون روتينا ليس إلا، كدخول الحمام والصلاة والتعبد وإعداد وجبة الفطار والعشاء. ومع ذلك، يحمدون الله ليلا ونهارا لأنه في استطاعتهم ذلك؛ وحتى هذا الجزء البسيط من الأنشطة يتحول إلى مهمة شاقة كصعود الجبال مع التقدم في السن.

أما الدائرة الاجتماعية لكبار السن فتتقلص تدريجيا، يختفي الأصدقاء المقربون بسبب المرض أو الوفاة، ويقل عدد مرات زيارات الأبناء لانشغالهم بحياتهم وأسرهم؛ فهم يكبرون أيضا. وتتغير دائرة المقربين، فقد يصبح الجار صديقا وكذلك الممرضة التي تسحب عينة الدم، وربما أيضا فني الأشعة، وحتى السائق قد يصبح أقربهم على الإطلاق إذا تعددت المشاوير.. وقد تصبح الأمنية آنذاك أن يعيش العجوز بقية أيامه في المقعد الخلفي للسيارة حتى لا يفكر في المهمة الشاقة التي تنتظره في نهاية الرحلة!

فعلا يا سيدي العجوز الفيلسوف، ما أجمل حكمتك وما أعمق قصصك؛ فمن كان يتوقع الشيخوخة؟ ومن كان يتخيل عندما كان شابا أنه لن يستطيع النهوض من مقعده عندما يكبر أو أنه سيتحرك بوتيرة السلحفاة. إن الشيخوخة قد تبدو مزحة في بداية العمر. ثم تتحول إلى يوم يحتفل به العالم كل غرة أكتوبر ولا يرغب المسنون في الاحتفال به على الإطلاق!

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment