الكاتب مارفن عجور
قد يتبعثر قلمي وانا اكتب تلك الكلمات النابعة من القلب لبيروت ست الدنيا ... بيروت التي لم تطفئ نورها يوماً بل كانت تغمر ابناءها وزائريها بالآمان والسلام والفرح وترفض الحزن والقلق... بيروت التي لم تقوى عليها الكوارث ولم يقوى عليها الفساد...
بقيت بيروت بكل ما لها الكلمة من معنى "ست الدنيا " واجمل المدن واكثرها تألقاً ... بيروت التي تدّمرت في الرابع من آب فإمتلأت ارضها دماءَ شهدائها الذين رحلوا قبلَ ان يبنون المزيد من الابداع اللبناني وقبل ان يرممّون جدران الثقافة والعلم والمعرفة ...
بيروت التي غمرها الحزن في ذلك اليوم وفُجعت على وفاةِ ابنائها الذي تخطّى عددهم المئتين شهيدٍ قد تحوّلت الى مدينة الأشباح كالتي نراها في مدينة الملاهي... فالأماكن الساحرة قد تهدّمت اسقفتها وجدرانها وتحوّلت الى اماكن بَشِعة.
مرفأ بيروت الذي يتمتّع الناس في زيارته قد تحّول الى مرفأ مفجّر ومكانٍ مرعبٍ لا يُرغَم احد للذهاب لرؤيته، المستشفيات التي كان ممرضيها يبذلون قصارى جهدهم لمعالجة المرضى قد اهتزت بالكامل ورٌمي مٌرضاها على الطرقات متمسكين بالماكينات ومصلّين من اجل الخلاص لوطنهم لبنان ... فبعد كل هذه المشاهد الذي شاهدناها يمكننا القول بأن بيروت قد مرضت ومرضها خطراً جداً فلا تزال منذ الرابع من آب وحتى هذه اللحظة تحارب وتصارع تلك الأمراض لكنها ترفض الهزيمة والموت...
اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على انفجار المرفأ شَهَدَ لبنان وعاصمته بيروت ازمات متتالية بلا نهاية ... ازمات على كل الأصعدة اصابت الشعب اللبناني وجعلته في كل يومٍ يموتُ ببطءٍ وينزف دماءَ الاهمال والتخلّف فما اقبح رؤية وطنٍ يتدمر وليس وطناً عادّياً بل وطن قد نبع منه شعراء وعمالقة في الفن ورحمٌ ثقافيٌ يتسع لكل العرب.
ما اقبحَ رؤية أشخاصٍ يدّقون ابوابَ المصارف حيث احتجز مالهم فلا احد يستجيب ولا احد يفتح ! ما اصعبَ مشاهدة ضحايا الحياة يبحثون في الصيدليات ويكافحون ويمرّون بينها من اجل الحصول على دوائهم فلا يجدونه! لا يجدونه فقد احتُكِرَ، وحتى في لبنان اصبحت التجارة في ارواح البشر لعبةٌ، فكيف يتبرأ هؤلاء المسؤولون بأن يتصرّفوا هكذا تصرّفٍ ؟ كيف تبرأوا بأن يتكلمون عن مشاريعهم الايجابية واعمالهم في الأمس يومَ انتخابهم ولن يقدّموا الا الأعمال السلبية والوحشية؟ فيُضرَب بهم المثل الآتي " ان الأعمال كادت ان تكون افعال وليس اقوال ".
ما اسوءَ ان نشاهد خبزنا المقدّس قد احتُكر وسعره تخطّى الحدود فقط من اجل التجارةِ ؛ فيصارع الشعب اللبناني في كل يومٍ قدَرَهُ فقط من اجل الحصول على ربطةِ خبزٍ وعندما يحصل عليها يدفع ثمنها راتبهُ بالكامل فيهدره وهو يحارب الأزمات فيتعب قلبه ويموت في كلّ يومٍ مائة مرةٍ، كم هو محزنٌ ان يغيب طعمَ المهرجانات من وطننا لبنان ويحلّ طعمَ الانفجارات والثورات والحروب والأزمات فثورة السابع عشر من تشرين هدمّت المباني التي تنبض بها العاصمة بيروت، ثورة اشعلت الاطارات فأحرقت الطرقات وافرغتها من الأمن، ثورة جابت الشوارع اللبنانية بالكامل فلم تصل الى حلًّ، وحتى اليوم تستمر الأحزان ويستمر الرعب وكأننا نعيش في حلمٍ لا تفسيراً له فشهدنا في الأيام الأخيرة اشتباكاتٍ متواصلة في عين الحلوة وراح ضحيتها شهداء كثرٍ واقتصرت اضرارها على الماديات والاجتماعيات ففي كل مرّة يعيش لبنان اشتباكات يخلّف ضحايا ويخسر شبابٍ كان الأمل معلّق عليهم؟.
في كل مرّة تزداد حدّة الخوف والحروب المتعددة الأنواع يهاجر الشباب هدفاً منهم ببناء مستقبلٍ افضلٍ وتأمين حياةٍ لائقة يخسر لبنان ثورة فكريةً واجتماعيةً وماديةً... فإلى متى ستبقى ظاهرة الهجرة تتفاقم؟ والى متى سيبقى التهديم طاغياً على الترميم ؟ والى متى سيبقى الوطن اللبناني يخلّف ضحايا يستشهدون بسبب الكوارث التي يعيشها وطنهم؟ اسئلة لربما راودت الجميع، اسئلة قد يطرحها المواطن اللبناني على نفسه في كلَّ مرةٍ يقلق ويخاف ويبكي ويفكّر بالأيام القادمة وما يخفيه شبح المستقبل. كم هومؤسفٌ ان تتحوّل طبيعة لبنان المشتهرة بنظافتها وجمالها من طبيعة ساحرة الى طبيعة ملوّثة، فيخفيها تلوّث الطبيعة والحرائق المستمرة التي تنجم عن اهمالٍ وفسادٍ !
اذاً، بيروت قد تحوّلت من مدينة الأفراح الى مدينة الأشباح لكن لم نسمح لهذا الشبح بأن يقتلنا وبأن يطغي علينا ! سنحارب للرمق الأخير وسنشفى من مصابنا الأليم الذي سكن وطننا وعاصمتنا وسنخرج من تلك المعركة الشاقّة منتصرين عليها ومنتصرين على اوجاعنا فالله لا يعطي اصعب معاركه الا لأقوى جنوده فلذلك قد وقعت هذه المعارك بأيادي اللبنانيين، الذين كانوا وما زالوا يحاربونها، ويحاولون ان يرممّوا من جديد الدمار الساكن في وطنهم.
وعلى الرغم من ذلك بقوا على قيدِ الحياةِ فالشعب اللبناني هويتّه الكفاح والأمل اما الإستسلام والموت فيرفضهما دوماً لأنه شعبٌ قد عاش الحروب الأليمة ولم يستسلم لها ! شعبٌ قد استشهد ابناءه احياءاً للوطن وحباً له ! شعبٌ قد صُنع علمَه بالألوان الأخضر والأبيض والأحمر والتي لكل منها معنى يعبّر عن اهمية لبنان المقاوم فالأخضر منه يدّل بأن لبنان هو وطن الأرزة الشامخة في سماء العالم، اما الأحمر فيشير الى دماء شهداء الثورة، والأبيض يدّل على جبال لبنان الرائعة المكلّلة بالثلج الأبيض اللبناني ...
فكيف لنا ان نستسلم وكفاحنا مكتوبٌ ومرسومٌ ومنتشرٌ في كلّ مكانٍ؟.











09/27/2023 - 12:24 PM





Comments